أعلنت الحكومة الفرنسية بأنها تدرس قرارا يمنع جميع أشكال التمويل الآتية من الخارج إلى المساجد والمصليات، ملتزمة في الوقت ذاته بأن تفتح صفحة جديدة مع مسلمي فرنسا، وذلك في أعقاب الاعتداءات الدموية التي نفذها فرنسيون مسلمون من أصول عربية، في الوقت الذي دعا عميد مسجد باريس، دليل بوبكر، العلماء والمفكرين الجزائريين إلى مساعدته في التصدي لحملة الفكر المتطرف والمسيئين للدين الإسلام باسم القرآن والسنة.
جاء ذلك على لسان الوزير الأول الفرنسي، مانويل فالس، في تصريحات له لجريدة “لوموند”، حيث رأى فيها بأنه من المؤيدين لمنع تمويل المساجد الفرنسية من الخارج، وتكفل الدولة الفرنسية بتكوين وتدريب الأئمة في فرنسا وليس في مكان آخر، فضلا عن وعد بفتح صفحة جديدة مع المسلمين الفرنسيين.
وفي هذا الصدد، قال فالس: “علينا العودة إلى البداية وبناء علاقة جديدة مع مسلمي فرنسا”، معربا عن “تأييده لوقف التمويل الخارجي لبناء مساجد لفترة من الزمن”، وفي أن “يتم إعداد الأئمة في فرنسا وليس في مكان آخر”.
وأضاف “أنا منفتح على فكرة فرض حظر مؤقت على تمويل بناء المساجد في فرنسا بأموال أجنبية”، كما طالب فالس “بتدريب الأئمة في فرنسا وليس في مكان آخر”.
وبخصوص ما يعانيه المسلمون في فرنسا، من تمييز عرقي وديني وإقصاء اجتماعي، رد المسؤول الفرنسي إن البلد يحتاج إلى “صياغة العلاقة” مع الإسلام، تقوم على تغيير النظرة النمطية الموجه للإسلام وأتباعه، والإقصاء الاجتماعي والاقتصادي لمسلمي فرنسا، خاصة بعد انتهاء التحقيقات الأمنية بأن منفذي الاعتداءات الدموية فرنسيون بالدرجة الأولى!
وردا على المشروع الفرنسي الجديد حول العلاقة الجديدة مع الإسلام والمسلمين في فرنسا، التي تعتبر أكبر بلد أوروبي تقيم على أراضيه أعداد معتبرة من معتنقي الديانة الإسلامية، دعا، دليل بوبكر، عميد المسجد الكبير في باريس، السلطات الدينية في الجزائر إلى دعمه في مشروع الإصلاح الذي ينتهجه من أجل ترسيخ الفهم الصحيح للإسلام.
وفي مقابلة أجرتها معه وكالة الأنباء الجزائرية، الأربعاء، عقب لقاء جمعه مع الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، غداة الاعتداء على كنيسة أسفر عن مقتل قس بشمال غرب فرنسا، قال دليل بوبكر “سنباشر إصلاح المؤسسات الإسلامية بفرنسا طبقا لتعاليم القرآن، على غرار الحركة الجزائرية للإصلاح التي بادرت بها جمعية العلماء المسلمين”.
ومضى يقول: “نأمل أن يساعدنا الأخوة في الجزائر بمؤهلاتهم وتاريخهم وتكوينهم ومعارفهم في الإصلاح”، داعيا العلماء والباحثين الجزائريين إلى المشاركة في ندوات مسجد باريس حول هذا الغرض.

كما أوضح “أن الإصلاح الذي ننشده في فرنسا يعتمد على المعارف والثقافة والتاريخ والعبادات والفقه والسنة، يجب على المؤسسات الإسلامية الاستفادة من تفكير المسلمين أنفسهم الذين عليهم إصلاح النظرة والممارسة الدينية”.
وأكد عميد مسجد باريس في هذا السياق أن هذا الإصلاح الذي تمت مباشرته في الجزائر سيتم نسخه في فرنسا لفائدة الفرنسيين المسلمين “الذين ليس لهم أي معلومة أو ثقافة أو فهم للخطاب القرآني في مجال الإصلاح”.
ومن هذا المنظور، أعرب بوبكر عن أمله في أن يتم إرساء علاقة قوية بين مسجد باريس الكبير والمجلس الأعلى الإسلامي في الجزائر، مذكرا بأنه طلب من السلطات العمومية الفرنسية مساعدة مسجد باريس في جهوده الرامية إلى التعريف “بالصورة الحقيقية للإسلام”.
وحول الشعور العام لدى مسلمي فرنسا، لم يخف دليل بوبكر قلقه بشأن ذلك، إذ أوضح بأن “المسلمين قلقون في فرنسا بشأن محاولة نسبهم إلى تنظيم “داعش” الإرهابي”.

بين الخلط والجهل بالإسلام
واتهم دليل بوبكر صراحة، المسؤولين عن تمويل بناء المصليات العشوائية في المدن الفرنسية بتخريج مسلمين يخلطون أو يجهلون التعاليم السمحة للإسلام.
وقال في هذا الصدد: “الأشخاص الذين لا يفهمون الإسلام يعتقدون أنه هو ما تقوم به عناصر “داعش” التي تجهر بقول “الله أكبر” عند ارتكاب أي عمل إرهابي، مع محاولة الاستناد إلى نصوص من القرآن الكريم”، معترفا في ذات الوقت “بعجز مسجد باريس عن التصدي لانتشار مساجد ومصليات قريبة من التيارات الوهابية والسلفية التي تدعو إلى العنف”.
ويشير متابعون لما يحدث في فرنسا من جدل حول الإسلام والمسلمين، إلى أن القاسم المشترك بين منفذي اعتداءات إرهابية فوق التراب الفرنسي، هو أنهم ضحايا التهميش والخطاب اليمني العنصري العدائي الذي يؤدي إلى اليأس، وبالتالي التحول إلى عناصر مستعدة للموت انتقاما من المجتمع الفرنسي.
وقدر هؤلاء المتابعون بأن ثلثي الفرنسيين المنتسبين لتنظيم “داعش” ينحدرون من مقاطعة “نيس” التي يسيطر عليها التيار اليميني المتطرف والأقدام السوداء.
ولا يخفي هؤلاء وجود علاقة بين ما يحدث لفرنسا، وبين ما تفعله هي في البلدان العربية، مثل ليبيا التي تأكد وقوفها عسكريا إلى جانب الجنرال خليفة حفتر في بنغازي، في الوقت الذي تعلن دعمها لحكومة الوفاق الليبية!
وبرأي المتابعين، فإن “فرنسا التي يعتبرها بابا الفاتيكان بالبنت المدللة للكنيسة، مطالبة بتغيير ممارساتها مع مسلميها والاقتباس من التجربة البريطانية في مجال الإدماج، بدل أن تتحول إلى مفرخة للإرهابيين والمجرمين باسم الإسلام”.
وإذا ما صدقت النوايا الفرنسية حول الاستفادة من العلماء والدعاة الجزائريين لتأطير الجمعيات الدينية في فرنسا عبر مسجد باريس الكبير، فإن ذات المصادر، تتوقع “استجابة من الجزائر من باب شعورها بالمسؤولية تجاه الجالية المسلمة هناك، لإبعاد الخطاب المتطرف عن المساجد”، في الوقت الذي فشلت منظمة التعاون الإسلامي في تحسين صورة الإسلام عبر ما كانت تدعو إليه من حوار بين الأديان وحوار الحضارات وغيرها من المشاريع التي لم يعد لها أي أثر في الميدان.

 

 

تعليقات