تظاهرات في مدينة شحات الليبية وصفت بـ «ثورة الجوع» وتم خلالها إغلاق مبنى ديوان رئاسة الوزراء، ومبنى المجلس البلدي. وكانت هناك وقفة احتجاجية ليلة أول أمس، أمام منزل رئيس برلمان طرابلس، غير المعترف به دولياً، عقيلة صالح في مدينة شحات تطالب بتحسين الأوضاع المعيشية.
خطة الاتحاد الأوروبي لتوزيع اللاجئين مهددة بالفشل
تصطدم خطة رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر الساعية لاحتواء أزمة اللاجئين من خلال توزيعهم بين دول الاتحاد الأوروبي الـ28 بتلكؤ الدول الأعضاء، ما يهدد بإفشالها، بحسب ما يرى دبلوماسيون وخبراء.
ومنذ إقرار الآلية في سبتمبر الماضي، من أجل توزيع 160 ألف طالب لجوء من اليونان وإيطاليا اللتين تقفان في الخط الأول لموجة الهجرة، تتقدم دول الاتحاد الأوروبي بخطى بطيئة جداً لتنفيذها، حيث لم يستفد من هذا النظام سوى 500 شخص في أربعة أشهر. غير أن يونكر مهندس هذه الخطة التي يفترض أن تحتوي حركة الهجرة بعد تدفق أكثر من مليون مهاجر إلى الأراضي الأوروبية عام 2015.
أكد أنه لن يستسلم. ورغم تأكيداته تتزايد الشكوك حول فرص نجاح مشروع إعادة توزيع اللاجئين، في وقت تتلكأ الدول الأعضاء ويبتكر مهربو المهاجرين أساليب ووسائل جديدة للاستمرار في تجارتهم المربحة.
فشل
وقال دبلوماسي أوروبي، إن «الأشخاص (الضالعين في الخطة) يخشون فشل المشروع. ثمة أشخاص يفقدون الأمل وآخرون يستغلون هذا الشعور»، فيما تشير مصادر أوروبية إلى عدة عوامل خلف هذا الفشل. فبعض الدول مثل فرنسا وبلجيكا والسويد تريد أن تأخذ وقتها لرصد أي متشددين قد يسعون للتسلل بين الوافدين، ولا سيما بعد اعتداءات باريس.
ومن أسباب التأخير الأخرى القصور في القدرات على استقبال طالبي اللجوء أو استيعاب أولادهم في المدارس، والمشكلات اللوجستية في تأمين الرحلات، وحتى بالنسبة لبعض الدول رفض استقبال أعداد كبيرة من المسلمين والأفارقة.
تبادل اللوم
وأقر وزير الهجرة اليوناني يانيس موزالاس، بأنهم لا يريدون أشخاصاً من السود ولا عائلات كبيرة، ويطلبون منا المزيد من الأمن، مشيراً إلى أن أقل من نصف الدول الـ28 عرضت استقبال لاجئين. فيما يرى البعض أن دول أوروبا الشرقية هي الأكثر معارضة للخطة.
وأعلن رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان أن «الإسلام لم يكن يوماً جزءاً من أوروبا». فيما لم تتقبل أثينا وروما الانتقادات الموجهة إليهما، وهما تشيران إلى البطء الشديد في تدابير إقامة مراكز تسجيل الوافدين الجدد المكلفة بغربلة اللاجئين ما بين لاجئين مؤهلين للحصول على حماية دولية ولاجئين اقتصاديين.
مخاوف
ويخشى العديد من الدول الأعضاء في حال الفشل في تعزيز حدودها الخارجية التي هي حدود الاتحاد الأوروبي، أن ينهار فضاء «شنغن» لحرية الحركة، في وقت تضاعف الدول تدابير إعادة فرض المراقبة على حدودها.
وأقر دبلوماسي من أوروبا الشرقية بأن الشعور المسيطر في بروكسل هو أن هذا المشروع لن يطبق أبداً بالشكل المناسب، وأنه مثالي أكثر مما ينبغي، لافتاً إلى أن المفوضية الأوروبية لم تنجح في الدفاع بشكل فعال عن قضية دمج المهاجرين، في وقت أدت موجة أعمال العنف والتعديات الجنسية في ليلة رأس السنة في ألمانيا، والتي نسبت بمعظمها إلى مهاجرين، إلى تأجيج الجدل.
مع تزايد خطر «داعش» ووسط تقارير عن ضربات وشيكة للتنظيم..تونس تستنفر عسكرياً وأمنياً على الحدود الليبية
ذكرت السلطات التونسية أنها قررت تعزيز التواجد العسكري والأمني على الحدود مع ليبيا كما شددت تدابير الحماية للمنشآت العامة، مع تزايد خطر التهديدات الإرهابية وتزايد خطر تنظيم «داعش» ووسط تقارير عن ضربات وشيكة للتنظيم المتمركز على الأراضي الليبية.
وأكدت خلية التنسيق الأمني والمتابعة أن التهديدات الإرهابية القائمة والمخاطر المحدقة بالأمن القومي خاصة في ظلّ الأوضاع الإقليمية المضطربة تتطلب تعميق الوعي بدقة المرحلة وملازمة اليقظة وتفادي كلّ ما من شأنه أن يعيق جهود الوحدات العسكرية والوحدات الأمنية في الحرب على الإرهاب وتأمين سلامة المواطنين وحماية المؤسسات والممتلكات، وفق بيان صادر عن اجتماعها المنعقد أول من أمس برئاسة رئيس الحكومة الحبيب الصيد.
إجراءات أمنية
وفيما أقرّت الخلية تدعيم التواجد العسكري والأمني على الحدود، أقرّت القيام بعمليات تفقدية للمنشآت للوقوف على مدى تجسيم التدابير المتعلقة بتأمين الحماية الذاتية للمؤسسات المعنية، واستعرضت تقدم تنفيذ ما تمّ إقراره من إجراءات لدعم التجهيزات والمعدات لفائدة المؤسستين العسكرية والأمنية وتحسين الأوضاع المادية والمعنوية للمنتمين إليهما بما يعزّز تفرّغهم لأداء مهامهم على الوجه الأفضل، وفق نص البيان، داعية كافة الأطراف الوطنية ومكوّنات المجتمع المدني والمواطنين إلى الانخراط الكامل والمتواصل في الجهود المبذولة لكسب الحرب على الإرهاب وترسيخ عوامل الأمن والاستقرار.
الوضع الأمني
وأكدت رئاسة الحكومة التونسية أن الاجتماع الذي حضره وزراء الدّفاع الوطني والداخلية والخارجية وعدد من الإطارات العسكرية والأمنية خصّص لتدارس الوضع الأمني والمستجدات في ليبيا والتطورات المحتملة وتداعياتها في ضوء تمدّد تنظيم داعش في هذا البلد ومحاولات عناصر إرهابية التسلّل إلى التراب التونسي، وتم استعراض الجهود المبذولة للتوقّي من الإرهاب ومكافحة هذه الآفة.
كما يأتي ذلك في الوقت الذي تعيش فيه تونس حالة قلق واضح من مستجدات الوضع في ليبيا وخاصة بعد الحديث عن قرب تدخل عسكري خارجي لضرب مواقع تنظيم داعش الإرهابي وبقية الجماعات المتشددة.
دعوة للمساءلة
وخلال الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب التونسي (البرلمان) طالب النائب عن حركة الشعب سالم الأبيض أمس باستدعاء الحكومة لمساءلتها حول التدخل العسكري في ليبيا، ولتوضيح ما يروج من أخبار حول وجود قواعد عسكرية ومستشفيات متنقلة في تونس وتزامنها مع قرب التدخل العسكري الأجنبي في ليبيا.
وكان مصدر أمني جزائري أفاد أول من أمس بأن السلطات الجزائرية والتونسية تعتزم إجراء مناورات وتدريبات مشتركة لقواتهما الجوية خلال الأسابيع المقبلة، تهدف إلى التصدي لتهديدات محتملة من قبل «داعش».
وأكد المصدر أن التدريبات تتضمن التنسيق بين القوات الجوية في الدولتين لمواجهة تهديد بري محتمل من تنظيم داعش في الجوار الليبي، مشيرا إلى أن التدريبات المشتركة تشمل طائرات مقاتلة حربية، وترتكز في المثلث الصحراوي الواقع في أقصى جنوب الحدود البرية بين تونس والجزائر والتي تلتقي مع حدود ليبيا.
حكومة الوفاق : الفرص ومكامن الإخفاق
أشار الكاتب والخبير في الشأن الليبي عبد الرزاق العرادي في دراسة نشرت بتاريخ 12 يناير 2016، على موقع “مركز الجزيرة للدراسات” إلى أن المشهد الاحتفالي الذي واكب التوقيع على الاتفاق السياسي الليبي في مدن ليبية عدَّة من بينها العاصمة طرابلس، لم يُخفِ حالة الانقسام في المشهد السياسي والعسكري والاجتماعي.
ويعتبر الانقسام أحد التحديات التي تواجه حكومة الوفاق، على مستوى تشكيلها ومقرها الرئيسي، ويتمثل أول هذه التحديات في التوافق داخل مجلس رئاسة الحكومة على تشكيلة الحكومة، وكيفية التوصل إلى ذلك خلال ثلاثين يومًا من تاريخ توقيع الاتفاق.
وأوضح الكاتب أن حكومة الوفاق قد حظيت بدعم دولي شبه مطلق منذ توقيع الاتفاق، ولاقت حالة من القبول في الشارع الليبي، كما دعمتها الغالبية من النخب المثقفة ومؤسسات المجتمع المدني، والمجالس العُرفية والمنتخبة، وتشكيلات مسلحة ذات وزن مهم على الساحة الليبية.
في المقابل، يواجه المعترضون عليها صعوبة كبيرة في تسويغ موقفهم الرافض لها، حتى في أوساطهم الداخلية الضيقة، نظرًا لحالة التوازن التي سعى الاتفاق إلى توفيرها، كما يواجهون تحديات العجز عن تحقيق أهدافهم في السيطرة العسكرية على المدن، وعجزًا أكبر عن توفير حاجات المواطن الأساسية.
وبيًن العرادي أن في السابع عشر من شهر ديسمبر 2015، أُعلن في مدينة الصخيرات المغربية عن وصول قاطرة الحوار الليبي إلى محطتها الأخيرة، بالتوقيع النهائي على وثيقة الاتفاق السياسي الليبي، التي تضم في أحد ملاحقها أسماء أعضاء مجلس رئاسة الوزراء لحكومة الوفاق الوطني التسعة، ويتكون مجلس رئاسة الوزراء من رئيس وخمسة نواب وثلاثة وزراء دولة، وأُسندت إلى هذا المجلس، بحسب الاتفاق، مهمة اختيار باقي أعضاء الحكومة بالتشاور مع أعضاء الحوار السياسي الليبي خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يومًا من التوقيع على وثيقة الاتفاق.
ووقَّع الاتفاق عن المؤتمر الوطني العام، النائب الثاني لرئيس المؤتمر الوطني العام، صالح المخزوم، ممثِّلًا لستة وسبعين عضوًا من أعضاء المؤتمر، ووقَّع عن مجلس النواب النائب الأول لرئيس مجلس النواب، أمحمد شعيب ممثلًا عن اثنين وتسعين عضوًا من أعضاء مجلس النواب، كما وقَّع الاتفاق عدد من أعضاء مجلس النواب المقاطعين وممثلون عن المرأة والمستقلين والمجلس الوطني الانتقالي.
انقسام
وقال الباحث الليبي إن المشهد الاحتفالي الذي واكب التوقيع على الاتفاق في مدن ليبية عدَّة من بينها العاصمة طرابلس، لم يُخْفِ حالة الانقسام السياسي والعسكري والاجتماعي، وكانت مظاهر الانقسام ووقائعه تساير خطوات الساعين للاتفاق، وقد سبق التوقيع على الاتفاق السياسي بيومين، لقاء في مالطا بين رئيس المؤتمر، نوري أبو سهمين، ورئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، أعلنا فيه أن المجتمعين في الصخيرات لا يمثِّلون إلا أنفسهم، وأنهم غير مخولين بالتوقيع على هذا الاتفاق، كما أعلنا عن رغبتهما في رعاية الأمم المتحدة لمسار جديد أُطلق عليه: الحوار الليبي–الليبي.
كما انقسم الساسة بشأن الحوار ومخرجاته، وانقسم حاملو السلاح في كلا المعسكرين بين مؤيد ومعارض؛ حيث أيَّد عدد من الكتائب المحسوبة على “فجر ليبيا” التوقيع على الاتفاق واعتبره تتويجًا لنضاله، وعارضت كتائب أخرى الاتفاق ووصمته بالخيانة لدماء الشهداء، كما نجحت الضغوط الخارجية في احتواء معارضة القائد العام للجيش الليبي (المعين من قبل مجلس النواب)، خليفة حفتر للاتفاق، من خلال ترشيح شخصية محسوبة عليه في مجلس رئاسة الوزراء.
وشملت حالة التشظي التيارَ الإسلامي؛ فأيَّد حزب “العدالة والبناء” المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين الاتفاق واعتبره مُنهيًا للانقسام ومحاولة لإيجاد سلطة واحدة، بينما عارض التيار السلفي ودار الإفتاء الاتفاقَ واعتبراه خروجا على ولاة الأمور وتجاوزًا لآراء العلماء.
وأشار الخبير في الشأن الليبي إلى أن “ولاة الأمور هؤلاء فرَّقتهم الحرب وجمعهم الموقف من الاتفاق السياسي، الذي فرض حالة توقف قسري في المؤتمر الوطني والبرلمان“، فقد حال الموقف من الاتفاق بداخلهما، وتباين مواقف الكتل السياسية من مخرجات الصخيرات، دون اكتمال النصاب في أيٍّ منهما، لانعقاد جلسة قانونية؛ حيث يوجد في المؤتمر معارِضون للاتفاق مختلف في عددهم، ويُقدِّرهم الطرف الآخر بسبعة وثلاثين، بينما يقولون إنهم يتجاوزون الستين، يقودهم أبو سهمين، ويضمون إلى جانبه، أعضاء من كتلة “الوفاء” التي شكَّلها منتسبون سابقون لـ“الجماعة الليبية المقاتلة“، ومعهم منسحبون من حزب “العدالة والبناء“، إضافة إلى مستقلين، آخرين محسوبين على التيار الإسلامي عمومًا، ويدعم هؤلاء بعض أعضاء دار الإفتاء الليبية، ومجموعة من القوى المسلحة، يختلف المراقبون في درجة ولائها لهم، كما يختلفون في حقيقة أحجام بعضها.
وأوضح أن أكثر هذه القوى ولاء، هي قوة شكَّلها عضو المؤتمر السابق، صلاح بادي، الذي يعتقد بعض المراقبين أنه يقف الآن على الحياد، وكتائب من “درع الوسطى” القريبة من رئيس حكومة الإنقاذ التابعة للمؤتمر، خليفة الغويل.
وتشير التقديرات إلى أن الموقف داخل الضباط المشكِّلين لقيادة الأركان برئاسة عبد السلام جاد الله العبيدي، يدل على أنهم لا يقفون على قلب رجل واحد، وتتملكهم مخاوف من الملاحقات والثارات، كما يضيق هامش تحركهم على الأرض بسبب الأفضلية القتالية والتسليحية والجاهزية للكتائب التي تأتمر بأوامر قادتها المباشرين، ولا تتبع رئاسة الأركان إلا شكليًّا.
وتختلف مستويات رفض هؤلاء السياسيين، والقوى العسكرية المؤيدة لموقفهم؛ فمنهم من يقف موقفًا مبدئيًّا قائمًا على رفض اللقاء بأطراف يحسبها ثورة مضادة، جاءت لتعيد النظام السابق، ومنهم من يرفض الاتفاق ومخرجاته، رفضًا مصلحيًّا، قائمًا على ارتباط مصالحه بالقيادات السياسية الرافضة للاتفاق.
وتبقى الأسباب الحقيقية لرفض السياسيين للاتفاق، غير معلومة تمامًا، وإن كانت تقديرات أغلب المراقبين تشير إلى قيامها على منطق المحاصصة، وتحصيل نصيب من سلطة ما بعد الاتفاق، كما تشير تقارير وتسريبات قريبة من الدقة إلى البحث عن ضمانات بعدم الملاحقة القانونية، عن أحداث الاحتراب التي صاحبت فجر ليبيا، بالرغم من أن الاتفاق نصَّ على أن تضمن المؤسسات المنبثقة عن الاتفاق السياسي، عدم مقاضاة أي شخص لأسباب تقتصر على قتال الخصوم أثناء النزاع.
ولا تقل معالم إستراتيجية هذا الفريق، الذي يُظهره التعامل الإعلامي موحَّدًا، ويخفي الموقف العام الرافض تناقضاته الداخلية الكامنة، تعقيدًا ولا تركيبًا عن علاقاته وأولوياته، ودوافع تياراته المختلفة، والواضح أن الثابت الوحيد في هذه الإستراتيجية هو عرقلة الاتفاق، وتأخير تطبيقه قدر الإمكان.
إن هذه الإستراتيجية يمكن أن تصل في رفض الاتفاق إلى استعراض القوة، والتمترس بالظهير الشعبي، لكنَّ عارفين بالشؤون الداخلية للفرقاء لا يتوقعون أن تصل إلى مستوى المواجهة العسكرية، لتكلفتها الباهظة من جهة، وصعوبة تسويقها، وللتقدير الغالب أن مآلها لن يكون التوفيق أو النصر، نظرًا لميزان القوى الراجح عسكريًّا لصالح داعمي الاتفاق، ولصعوبة مواجهة القوى الدولية.
هذه الكتائب رغم نزوعها الغالب لطاعة قادتها، إلا أن كل مقاتليها وقادتها الميدانيين يتقاضون رواتب من خزينة الدولة، وفي حال رفض المصرف المركزي استمرار التعامل مع المؤتمر وحكومته، كما هو مرجَّح بسبب وضعه تحت وصاية المؤسسات النقدية الدولية، الراجح أن ينتقل الولاء إلى من يمكنه تأمين المستقبل المالي، هذا إضافة إلى صعوبة مواجهة المزاج العام الرافض للاقتتال الداخلي، على أسس سياسية.
وبين أن كل هذا يرجِّح أن تؤول معارضة هذه الأطراف إلى معارضة سياسية، تقف على حافة الصراع المسلح، وتظل قياداتها ترفع الصوت ضد الاتفاق في الظاهر، وتحاول الاندماج في الوضع الجديد بشروط أفضل.
وأشار الكاتب إلى أن في الشرق، يوجد “البرلمان المنقسم إلى أكثر من فريق؛ فهناك المجموعة المحسوبة على حفتر، وهي تميل إلى رفض الاتفاق، تبعًا لقرار الأخير الذي يرفض أي مساس بوضعه كقائد عسكري، لما يسميه الجيش الوطني، ولطبيعة موقف القوى الإقليمية التي تقف خلفه، ويمكن القول: إن وقوف هذا المعسكر ضد الاتفاق هو موقف مبدئي ينظر إلى الاتفاق باعتباره نقيضًا لمشروعه“.
وهناك المجموعات الأخرى التي لا ترفض الاتفاق مبدئيًّا، لكنها لا تجد القوة لمواجهة الرافضين، فهي بالتالي تؤيد الاتفاق، وتسعى إلى الالتحاق به، لكنها غير قادرة على مواجهة نتائجه التي يبدو أن أولها سيكون إبعاد حفتر من المشهد، وضمن هذا الطرف آخرون يبحثون عن مصالحهم السياسية وربما الجهوية، وهم أقرب إلى الانتظارية منهم إلى تحديد موقف صارم في أي الجهات، على حد تعبير الكاتب.
وقال الباحث الليبي إن إستراتيجية هذه الأطراف تختلف تبعًا لاختلاف مصالحها؛ فحفتر وفريقه، يقفون على أرضية أقرب إلى الصلابة، وهي رفض اتفاق يمسُّ موقعهم، كفاعلين أساسيين في المنطقة الشرقية، إن لم يكن في عموم ليبيا، ولا يُخفي مراقبون تخوفهم من أن تصل إستراتيجيتهم إلى حدِّ الانفصال بالمنطقة الشرقية، أو إبقائها بؤرة توتر مستعصية على أية حكومة تأتي.
وأكد أن واحدًا من مكامن ضعف إستراتيجية هذا الفريق هي ضعفه أمام ضغوط القوى الدولية، إلا أن هذا الضعف يستصحب معه شيئًا من المهارة في خلق خيارات، تؤدي إلى تفاهمات مع القوى الدولية، في منتصف طريق التأزم.
وأشار إلى أنه لا يمكن التنبؤ الجازم بتصرفات أيٍّ من الأطراف المناهضة للاتفاق السياسي، لكن شيئًا واحدًا يمكن الجزم به وهو صعوبة أن يلتقي طرفاها في الشرق والغرب لقاء استراتيجيًّا، نظرًا لتاريخ العداء، الذي ما يزال قائمًا، ويمكنهما أن يشكِّلا عقبتين كبيرتين في وجه الاتفاق وعمل حكومة التوافق، لكنهما سيظلان في الغالب عقبتين منفصلتين، لن توحدهما إستراتيجية عمل واحدة.
تحديات
واعتبر الكاتب أن الانقسام أحد عناصر قائمة التحديات التي تواجه حكومة الوفاق، ومصدر العقبات التي تعترضها على مستوى تشكيلها ومقرها الرئيسي، ويتمثل أول هذه التحديات في التوافق داخل مجلس رئاسة الحكومة على تشكيلة الحكومة وكيفية التوصل إلى ذلك خلال ثلاثين يومًا من تاريخ توقيع الاتفاق، أي بحلول يوم 16 يناير 2016.
وبالنظر إلى المحاصصة الجهوية التي حكمت تشكيل مجلس رئاسة الوزراء بين الأقاليم التاريخية الثلاثة (طرابلس، برقة، فزان)، يُتوقع أن يواجه المجلس تحديًا في الموازنة بين معياري الكفاءة والجهة، وتحديًا قانونيًّا في حالة تعذُّر حصول نصاب انعقاد مجلس النواب، وتمسُّك المؤتمر بحقه في تعديل الإعلان الدستوري، طبقًا لأحكام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، التي قضت بانعدام مجلس النواب.
وقد استند الاتفاق السياسي على الإعلان الدستوري القائم، ولم يصدر كإعلان دستوري جديد، ما يجعله في رأي عدد من الفقهاء الدستوريين، بحاجة إلى تخريج قانوني لهذه المعضلة الدستورية، يقيه الطعن أمام القضاء مستقبلًا.
كما تواجه الحكومة تحدي ممارسة عملها من العاصمة طرابلس، بالنظر إلى المعارضة التي يبديها رئيس المؤتمر، وبعض أعضائه، ومؤيدون لهم من الكتائب المسلحة؛ حيث تخرج كل جمعة مظاهرات بطرابلس، وإن كانت صغيرة الحجم، ويُعتقد أنها ممولة من قبل رئيس المؤتمر، وتعارض الحوار وحكومة الوفاق التي تمخَّضت عنه.
ورغم أن الاتفاق يخوِّل الحكومة العمل من مدينة أخرى، إلا أن عملها من طرابلس مؤشر حقيقي على إنهاء الانقسام، وله رمزيته في بناء مؤسسات الدولة، ووجود الحكومة في مدينة ليبية غير طرابلس، وإن كان مقبولًا بنصِّ الاتفاق، سيجعلها حكومة ليبية ثالثة، ستُسمى باسم مدينتها على غرار حكومتي طرابلس وطبرق، ما يعني، واقعيًّا، زيادة الانقسام.
وبيَن العرادي أن الاتفاق السياسي حدّد ثلاث أولويات لحكومة الوفاق الوطني؛ وهي أولويات سياسية وأمنية، واقتصادية وخدمية، ومن أهم الأولويات السياسية الانتهاء من صياغة الدستور والاستفتاء عليه لإخراج البلاد من الحالة الانتقالية إلى الحالة الدائمة، وتتمثل الأولويات الأمنية في وقف إطلاق النار وجمع السلاح، ودمج حامليه في مؤسسات الدولة، والتعامل مع ملف الإرهاب، طبقًا للترتيبات الأمنية الواردة بالاتفاق.
واقتصاديًّا، يخيم شبح الإفلاس على المؤسسات؛ حيث يعتبر المصدر الوحيد لدخل البلاد هو قطاع النفط، الذي تدنَّى سعره عالميًّا، مع توقف ضخِّه، بالإضافة إلى المشاريع المتوقفة، والتي تحتاج معالجة قانونية ومالية قد تستنزف الاحتياطيات النقدية للبلاد، كما معالجة آثار الصراع في مدن بنغازي وككلة وتاورغاء وغيرها، وتعويض المتضررين من الحرب مكلِّف للميزانية العامة، بالإضافة إلى حاجات قطاع الصحة والتعليم.
ترتيبات
وأشار الخبير عبد الرزاق العرادي إلى أن “مجلس النواب يُصرُّ على أن المقصود بمؤسسة الجيش هو الكتيبة التي كان يقودها حفتر وأُطلق عليها عام 2011 الجيش الوطني، في حين قاما المجلس الوطني الانتقالي والمكتب التنفيذي، – حكما أثناء الثورة–، باستبدال اسم القوات المسلحة الليبية، الذي كان يُطلق على الجيش في عهد معمر القذافي، باسم الجيش الليبي، والذي توالى على قيادة أركانه بعد الثورة؛ الراحل اللواء عمر الحريري، والراحل الفريق عبد الفتاح يونس، ثم اللواء يوسف المنقوش“.
وأخيرًا، يضيف العرادي، “انقسمت الأركان بين اللواء عبد السلام جاد الله العبيدي، الذي عيَّنه المؤتمر، واللواء عبد الرزاق الناظوري، الذي عينه مجلس النواب، حيث أعاد مجلس النواب حفتر للخدمة مع ترقيته إلى رتبة فريق وتعيينه قائدًا عامًّا للجيش الوطني، وفيما لم يستطع حفتر تحقيق أهدافه، وأصبح شخصية غير مرغوبة في نظر الفريق المناوئ، بات من أهم مطالب المؤتمر الوطني العام والمحسوبين على تياره إخراجه من المشهد السياسي، واشترط هذا الفريق لقبول الاتفاق أن ينص صراحة على استبعاد حفتر، بالمقابل، اعتبر مجلس النواب، ومن خلال مبادرة فزان التي وقَّع عليها أكثر من تسعين عضوًا من أعضاء مجلس النواب، أن الجيش الوطني وقيادته خط أحمر“.
وقال إن بين هذين الاتجاهين جاء الاتفاق السياسي جامعًا للرأيين؛ حيث عُرِّف الجيش الليبي بأنه قوات نظامية تتألَّف من ضباط وضباط صف وجنود، وألزم الحكومة بدعمه وفق أسس مهنية ووطنية، وطالب بضرورة ضم عناصر جديدة قادرة على تعزيز قدراته، وهنا أكَّد الاتفاق على أن المقصود بالجيش؛ ليس الجيش الوطني الذي يقوده حفتر، ولكن الجيش الليبي الذي يضم كل الضباط والجنود الموزعين في الجهتين، وفتَحَ الاتفاق الباب لدخول عناصر جديدة من حاملي السلاح، الثوار، لتعزيز قدرات الجيش الليبي إلى جانب الوحدات والتشكيلات العسكرية القائمة.
وقال إن قيادة الجيش الليبي منقسمة ومبعثرة، لذلك نصَّ الاتفاق على عودة كافة صلاحيات المناصب العسكرية والمدنية والأمنية العليا إلى مجلس رئاسة الوزراء، بمجرد التوقيع، كما حدَّد عشرين يومًا من توقيع الاتفاق للنظر في شاغلي هذه المناصب، واتخاذ قرارات بشأن شاغليها، وإلا اعتُبرت شاغرة، وحدَّد الاتفاق ثلاثين يومًا لاتخاذ قرارات بتعيينات جديدة.
ومن الواضح أن مع نهاية الأسبوع الأول من شهر يناير 2016 أصبحت كل المناصب العسكرية شاغرة، وكذا أصبح حفتر خارج الخدمة مجددًا، ما لم يتم إعادة الاستعانة به، بقرار جديد يصدر عن رئيس الوزراء ونوابه الخمسة بالإجماع.
وتعمل الترتيبات الأمنية على إنهاء النزاع المسلح ووضع إجراءات وقف إطلاق النار وانسحاب التشكيلات المسلحة خارج المدن والتجمعات السكنية، ونزع السلاح وفق جدول زمني محدد، ومن خلال لجان مؤقتة تتولى مراقبة وتنفيذ هذه الإجراءات.
بالمقابل، ينظر حاملو السلاح من الثوار، إلى هذه الإجراءات بعين الريبة، ويعتقدون أنهم المقصودون بها، ومن الدعوة التي يحملها الاتفاق إلى وضع الترتيبات لمجابهة الإرهاب وتهديداته، حيث نادى المرتابون من هذه الإجراءات، بأهمية مشاركتهم في الترتيبات الأمنية وطالبوا بضرورة تعريف المقصود بالإرهاب.
لقد حدد الاتفاق المجموعات الإرهابية المقصودة، وحدد بالاسم هذه التنظيمات (تنظيم الدولة–أنصار الشريعة–القاعدة) وفقًا لقرارات مجلس الأمن، كما نصَّ الاتفاق أيضًا على أن تضمن المؤسسات المنبثقة عنه، عدم مقاضاة أيٍّ من الأشخاص لأسباب متعلقة بالقتال أثناء النزاع، واستثنى الاتفاق جرائم الحرب، أو جرائم ضد الإنسانية طبقًا للقانون الدولي، لكن هذه الضمانات التي اعتبرها العديد من الفرقاء ضمانات كافية، اعتبرتها أطراف أخرى غير كافية، ما لم تكن الشخصيات القائمة على المناصب العسكرية والأمنية محل ثقة وغير جدلية.
سيناريوهات
وأشار الكاتب إلى أن تصريح المبعوث الأممي، مارتن كوبلر، أن الاتفاق سيتمخض عنه أجسام شرعية جديدة، وأن المجتمع الدولي لم يعد يعترف بوجود جسم شرعي بعد أكتوبر 2015، “وضَع كلًّا من المؤتمر ومجلس النواب أمام خيار واحد هو الانخراط في عملية الحوار وخلق أجسام شرعية جديدة“.
ولو تمت صياغة الاتفاق السياسي كإعلان دستوري جديد لا يستند إلى الإعلان الدستوري القائم وآلياته في التعديل، يوضح الكاتب، لزاد ذلك من ثقل الضغط على مجلس النواب والمؤتمر، لكن ذلك لم يقع، وقد يصعب إعادة صياغة الاتفاق من جديد، ما يضع كلًّا من المؤتمر ومجلس النواب أمام خيارات بالغة التأثير على مستقبل ليبيا، فضلا عن المحافظة عليها كدولة واحدة.
ويمكن بناءً على الوقائع وميزان القوى توقع سيناريوهات ثلاثة، يرجح أن تقود الأحداث إلى واحد منها، إلا أنه يمكن ترتيبها بحسب أرجحية احتمال الوقوع:
أولًا: نجاح حكومة الوفاق في ضم المغاضبين إلى الاتفاق، ما يبدو أقرب بفعل العامل الخارجي الضاغط، وتشابك الوضع المحلي، ولكنه مع ذلك ليس حتْمًا مقدورًا، إذا نجحت حكومة التوافق، في جعل معارضيها يلتحقون بالاتفاق عبر فتح حوار معهم، لطمأنتهم بشأن نقاط التحفظ، ودخلت في إجراءات عملية تبدد مخاوف الشباب من حَمَلَة السلاح، وتجعل استثارتهم ضدها أمرًا صعبًا، فعندئذ سيتقوى احتمال انضمام الجميع إلى الاتفاق، مثل رئيس المؤتمر والفريق المؤيد له وكذلك رئيس مجلس النواب والمؤيدين له، والمصادقة على الاتفاق وإصدار التعديل الدستوري طبقًا لأحكامه.
وفي هذه الحالة يصحح الاتفاق وضعية مجلس النواب الدستورية، ويُعد الاتفاق منشئًا له، كما يصحح الفراغ القانوني الذي تعيشه الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، ويمد أجلها إلى الرابع والعشرين من شهر مارس2016، لإتمام مشروع الدستور وعرضه للاستفتاء العام.
كما سيُحَلُّ المؤتمر الوطني العام، ويتم إنشاء المجلس الأعلى للدولة بديلًا عنه، وبذلك يكون الاتفاق السياسي قد حقق توافقًا مهمًّا، يؤسِّس لآلية واضحة لمنح الثقة لحكومة الوفاق الوطني، وتمكينها من احتكار القوة وبسط سيطرتها ومواجهة التحديات متسلحة بهذا الإجماع.
وفي حالة تعذر هذا السيناريو؛ قد يلجأ أطراف الحوار السياسي الليبي إلى صياغة الإعلان الدستوري القديم وتعديلاته، كإعلان دستوري جديد يتضمن الاتفاق السياسي الليبي ولا يخالفه، لمواجهة التحدي الدستوري الذي أسلفنا الإشارة إليه.
ثانيًا: أن تفشل حكومة الوفاق في ضم المعارضين، وتنجح في تحييد سلاحهم، وتحولهم إلى معارضة سلمية، وهو في حدود المتوقع نظرًا لتكلفة المواجهة المسلحة، خصوصًا مع إبداء أطراف في المجتمع الدولي رغبتها العلنية في دعم الحكومة بكل ما تحتاجه.
وفي هذه الحالة قد تواجه الحكومة صعوبات سياسية، وربما تعترضها عوائق في تنفيذ بعض القرارات لوجود معارضين، لكنها ستربح مع هذا نوعًا من التوازن في الحالة السياسية، تتحول معه المعارضة إلى مكسب للحوار وللحكومة، ولمسار بناء الدولة الليبية، وهو أمر ممكن، إذا اختل ميزان القوى العسكري لصالح الحكومة، كما تشير إليه المؤشرات في المنطقة الغربية.
ويمكن هنا أيضًا توقُّع أن ينضم رئيس البرلمان والمعارضون داخله إلى الاتفاق، ويرفض رئيس المؤتمر والمؤيدون له، ما يعني أن الشق المتعلق بالمؤتمر من تنفيذ الاتفاق، سيقوم به الأعضاء المؤيدون للاتفاق، كما نُصَّ على ذلك، ويتكون منهم المجلس الأعلى للدولة، مستندين إلى نص الاتفاق السياسي والدعم الدولي وزخم التأييد الشعبي المتصاعد.
وإن نجاح الحكومة في كسب المزيد من التأييد، سيصعِّب على المعارضين تسويغ استمرار حالة الانقسام أخلاقيًّا، وسياسيًّا، علاوة على صعوبة استدامتها عسكريًّا وماليًّا، وسيضطر هؤلاء المعارضون لاستثمار سياسة الباب المفتوح للانضمام إلى الاتفاق.
السيناريو الثالث، وهو أكثر تعقيدًا؛ إذ يُحتمل أن تنجح الحكومة في كسب ولاء رئيس البرلمان، وتخسر كسب ولاء حفتر والمؤيدين له من العسكريين، وبعض السياسيين، في نفس الوقت تكسب ولاء أغلب القيادات والقوى العسكرية في الغرب، ويظل رئيس المؤتمر وحلفه على معارضتها؛ ما يعني مواجهة موقف مركب، ربما يستدعي عملًا عسكريًّا في الشرق، ومواءمة سياسية تحفظ للمعارضين ماء وجوههم، وتبقيهم بعيدًا عن تحالف مع خصومها العسكريين في الشرق.
وهو أمر وارد خصوصًا إذا استحضرنا أن محاولات التقارب بين المعارضين السياسيين من البرلمان والمؤتمر، لم تحظ بالترحيب من لدن حفتر، وربما عدَّها بعض المقربين منه في غير محلها.
وخلص الخبير في الشأن الليبي عبد الرزاق العرادي إلى القول إن السيناريوهات تمثِّل احتمالات لما قد تؤول إليه الحالة بناء على قدرة حكومة التوافق، التي جعلها الاتفاق المدعوم أمميًّا، وإلى حدٍّ ما إقليميًّا، السلطةَ الأساسية الوحيدة في البلاد تقريبًا، على استثمار الفرص وتجنُّب مكامن الإخفاق.
وعاد الحديث عن التدخل في ليبيا ؟
ذكر الصحفي فريد عدلي في مقال نشر يوم 29 يناير 2016، على الموقع الإيطالي راديو بوبولاري – موقع إخباري، تابعة للمحطة الإذاعية الإيطالية راديو بوبولاري، تهتم بالشأن السياسي والاقتصادي والجيوسياسي والثقافي، تأسست سنة 1975 – أن هناك تدخلا عسكريا وشيكا في ليبيا، ما تكشفه تصريحات المسؤولين الغربيين في الآونة الأخيرة، مشيرة إلى ضرورة وضع حد لتهديدات تنظيم ” الدولة” في ليبيا، إضافة إلى الاجتماعات المتتالية لممثلي الحكومات الغربية وقياداتها العسكرية لمناقشة الأوضاع هناك، ما قد يشير إلى أن هناك أمرا ما بصدد الإعداد له بشأن ليبيا.
وأفاد أن القوى الغربية ما تزال تشعر بقلق بالغ إزاء ما يحدث في ليبيا، في ظل تمدد تنظيم “الدولة” في هذا البلد القريب جغرافيا من أوروبا، حيث تخشى أن تستمر الفوضى والاضطرابات، ما يمكن هذا الأخير من مزيد تعزيز وجوده والتوسع في المزيد من المناطق، والاستيلاء على آبار النفط، فضلا عن قيامه بهجمات إرهابية في أوروبا، انطلاقا من ليبيا.
تدخل
وأشار عدلي إلى أن هناك عودة للحديث عن تدخل غربي في ليبيا، ما كشفته بعض المصادر البريطانية في منتصف يناير الماضي، وتكرر بإصرار من قبل واشنطن، على لسان مسؤول بارز في البنتاغون، الجنرال جوزيف دانفورد، فقد أكد هذا الأخير أن توجه القيادات العسكرية الأمريكية يتمثل في ” عمل عسكري حاسم” ضد تنظيم “الدولة” في سرت، المدينة الواقعة في منتصف الطريق بين طرابلس وبنغازي، حيث يسيطر حوالي 3000 جهادي، تحت راية ما يسمى بـ“الخلافة” على المنطقة الساحلية.
وأضاف أن هذه المسألة قد نوقشت في اجتماع باريس بين وزراء دفاع التحالف ضد تنظيم “الدولة“، كما كشفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في مقال افتتاحي، قبل أيام قليلة، أن إدارة الرئيس باراك أوباما تعد خططا لفتح جبهة ثالثة في ليبيا للحرب ضد ” داعش“، غداة تلك الواقعة في كل من العراق وسوريا، وقد كتبت الصحيفة أن ” المسؤولون في الإدارة الأمريكية يقولون إن الحملة في ليبيا ستبدأ في غضون أسابيع، ويتوقعون أن تجري بمساعدة عدد قليل من الحلفاء الأوروبيين، بما في ذلك فرنسا وبريطانيا وإيطاليا.”
وحتى في إيطاليا تستمر هذه الأيام، تواتر أنباء عن تدخل وشيك في ليبيا، ففي صحيفة لا ريبوبليكا، ذكر فيتشنزو نيغرو أن مصادر مقربة من رئاسة الحكومة أكدت أن ” كل تحرك للأمريكيين في ليبيا يتم بالاتفاق معنا، وأن إيطاليا مستعدة للقيام بعمل عسكري، إذا لزم الأمر ضد تنظيم “الدولة“”، وقد أوضح نيغرو أن ” غداة أنباء عن تسريع خطط الهجوم الأمريكي في ليبيا، كشف قصر الحكومة (شيغي) عن جوهر “الاتفاق” مفاده أن إيطاليا مستعدة للتحرك العسكري، وإذا لزم الأمر، سيتم العمل مع الحلفاء، بناء على طلب من حكومة التوافق الجديدة، وفي الإطار الذي تمليه قرارات الأمم المتحدة،” مضيفا أن ” التهديد العسكري لتنظيم “داعش” بات يشكل خطرا لا يطاق، لدرجة أن رئيس الحكماء ماتيو رينزي “ترك اليدين حرتين” لسيناريوهات مختلفة.”
وأفاد عدلي أن موقف الحكومة الإيطالية كان يتمثل في العمل، قبل القيام بعمل عسكري، على تشكيل حكومة وحدة وطنية، مع وساطة الأمم المتحدة، وبعد ذلك ستطلب هذه الحكومة تدخل القوات الأجنبية للقضاء على مقاتلي تنظيم “داعش“، لكن في مقابلة مع صحيفة إيل كورياري ديلا سيرا، يبدو أن وزيرة الدفاع الإيطالية روبرتا بينوتي قد غيرت من رأيها، مقارنة بمقابلة سابقة حول هذا الموضوع، عندما كانت تصر على القول إن التدخل العسكري ينبغي أن يكون بناء على طلب حكومة ليبية، وخلال المقابلة الأخيرة، ذكرت الوزيرة أن ” ليبيا لا تستطيع الانتظار، وسنتحرك، لكن مع الحلفاء“، وليس ذلك فحسب، بل قدمت الموعد النهائي بشأن إرسال القوات، حيث قالت:” لا يمكننا أن نتصور انتظار حلول فصل الربيع مع الوضع الليبي الذي ما يزال جامدا.”
ولفت كاتب المقال إلى أن المسألة، لم تعد تتعلق بما إذا كان هناك تدخل أم لا، بل بكيفية وتوقيت هذا التدخل، وأضاف أن في 19 يناير الماضي، تم عقد اجتماع بين هيئة الأركان العامة التابعة لوزارة الدفاع وقيادة القوات المشتركة للعمليات الخاصة” ” COFS” بمقر وزارة الخارجية الإيطالية لاتخاذ قرارات بشأن التكتيكات والإستراتيجية التي سيتم استخدامها في ليبيا، بينما عقد قبل أسبوع، اجتماع آخر رفيع المستوى في قصر شيغي، حضره قيادات عسكرية، وكل من وزيري الدفاع والخارجية، ورئيس الحكومة، وهذه الإشارات ” تقول لنا أن هناك شيئا يطبخ، وأن من وجهة النظر العسكرية، سيقع المرور قريبا من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ.
وأضاف أن مراحل ” صنع القرار” على المستوى السياسي، تتمثل في تشكيل حكومة وحدة وطنية مع عدد محدود للوزراء، لكسب ثقة مجلس النواب في طبرق، فضلا عن اجتماع روما يوم 2 فبراير لما يسمى بالمجموعة الصغيرة من التحالف العالمي ضد “داعش،” “Small Group of the Global Coalition to CounterDaesh” ثم اجتماع المجلس الأطلسي المرتقب يومي بين 10 و11 فبراير ببروكسيل، الذي سيحضره وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي، حيث قد يتم الاتفاق خلاله على اتخاذ إجراءات، قد تكون بناء على موافقة أو دون موافقة حكومة ليبية.
خطر
وتساءل عدلي ما إذا كان هذا ” التسريع يعود إلى نفاد صبر القوى الغربية، أو إلى تزايد مخاوفها من التهديدات الإرهابية لتنظيم “الدولة“، وأفاد أن من المعروف أن وجود ” داعش” في ليبيا يقتصر على الجزء الأوسط من البلاد، مع حوالي 3500 جهادي، 80% منهم من الأجانب (تونسيون ومصريون، وجزائريون وسودانيون ومغاربة، ومن عدة بلدان إفريقية أخرى)، ودون التقليل من خطورته، تضخم التهديد ” الداعشي” في ليبيا تضخم، جراء الانقسامات السياسية الليبية، حيث لم تتوصل إلى اتفاق من شأنه أن يؤدي إلى تقليص الفجوة التي يملأها الجهاديون.
وأوضح أن خطر “داعش” في ليبيا يتنامى، جراء الهزائم التي يتعرض لها في كل من سوريا والعراق، خاصة بعد التدخل الروسي وتعزيز العمليات العسكرية من قبل الولايات المتحدة وفرنسا، وتهدف إستراتيجية ” داعش” في ليبيا إلى جعل ” سرت” “عاصمة” ما يسمى بـ“الخلافة“، لكسب المزيد من المجندين، فضلا عن جعلها ملاذ لجميع مقاتليه الفارين من سوريا، فضلا عن سعيه لتوطيد صلاته مع التشكيلات الأخرى من جميع أنحاء المغرب العربي ومصر ونيجيريا.
ولمواجهة هذه الإستراتيجية، يعتقد إستراتيجيون غربيون أن قصف التنظيم عبر عمليات جوية، لن يكون كافيا للقضاء على التنظيم، بل يتطلب ذلك عمليات برية من خلال وجود قوات على الأرض، فيما يعارضون آخرون مثل هذا الخيار، لأن وجود قوات أجنبية على الأراضي الليبية، مع أو من دون موافقة الحكومة الليبية، سيكون بمثابة مغناطيس لجذب مجندين جدد للقتال في صفوف “داعش“، علاوة على تعزيز الدعاية الإعلامية للتنظيم، حيث سيروج بأن “الأمة الإسلامية في خطر وتتعرض لغزو استعماري جديد.”
ولفت إلى أن الجانب الخطير في هذا الخيار مرتبط أيضا بحال تنفيذ تدخل عسكري من دون اتفاق مع الأطراف الليبية، وخلال يوم الثلاثاء الماضي، وعقب استعراض عسكري، قامت به في طرابلس، أعلنت ” ميليشيات إسلامية” في العاصمة عن رفضها لحكومة فايز السراج، وهددت بمواجهة أي قوات أجنبية في ليبيا ، متهمة المستشار العسكري لبعثة الأمم المتحدة، باولو سيرا، بهندسة خطة استعمارية جديدة لليبيا، وفي هذا السياق أوضح عدلي أن مثل هذا التدخل سيعزز التقارب بين هذه “الميليشيات” وتنظيم “القاعدة بالمغرب الإسلامي،” فرع تنظيم “القاعدة” بمنطقة المغرب العربي.
وأضاف أن القوى الغربية التي تعمل حاليا من أجل التسريع في تدخل عسكري بالبلاد، تصم آذانها أمام ما تقوله بعض الأطراف السياسية في البلاد، فعلى سبيل المثال، أعرب اثنان من أهم الوجوه السياسية الفاعلة في ليبيا صراحة عن معارضتهما للتدخل العسكري في ليبيا، وطالبا بإنهاء الحصار العسكري المفروض على البلاد، وأوضح أن وزير الخارجية محمد الدايري التقى بوزير الخارجية الإيطالية باولو جنتيلوني في أديس أبابا، وحثه على توفير مساعدات من شأنها أن تمكن الجيش الليبي من مواجهة تهديدات “داعش“، كما أكد نائب رئيس مجلس الرئاسة أحمد معيتيق، بشكل واضح، أن ليبيا ليست في حاجة إلى قوات أجنبية من أجل هزيمة “داعش“، حتى وإن كانت لأغراض التدريب.
وقال عدلي أن آلة الحرب قد بدأت بالفعل، ويبدو ألا وجود لآذان صاغية لصوت العقل، متسائلا:” هل بالإمكان فعلا لحوالي 6500 جندي وقف الجهاديين في أراضي واسعة مثل ليبيا؟ أو أن الجبهة الثالثة في ليبيا ستتحول إلى مستنقع لا نهائي؟”
الكل تناسى المسألة الأهم في ليبيا !
ذكرالدبلوماسي الفرنسي السابق في ليبيا باتريك هايمزاده في تحليل نشره موقع أورينتكسي موقع فرنسي مختص في التحليلات ومقالات الرأي، يهتم بشؤون المغرب العربي والشرق الأوسط، أسس سنة 2008، ويقدم على أنه مستقل– نشر يوم 26 يناير الماضي بعنوان: “التدخل العسكري في ليبيا سيقوي تنظيم الدولة الإسلامية” أن المسؤولين الفرنسيين والبريطانيين والإيطاليين، ما انفكوا منذ سنتين عن التلويح بتدخل ثان في ليبيا، الأمر الذي تحول إلى خبز يومي للمسؤولين الغربيين.
وتؤكد كل التصريحات أن الهدف الرئيسي، يبقى التدخل لدحر تنظيم “الدولة” في ليبيا، رغم إصرار الكاتب أن تمركز التنظيم في ليبيا يبقى غير مضمون ويواجه الكثير من العراقيل،
ويؤكد هايمزاده أن كل الأطراف المتداخلة في ليبيا تناست المسألة الأهم والمتمثلة في بناء دولة ليبية شرعية تمثل كل الأطراف، الخيار الذي كان سيجنب ليبيا عديد المشاكل والأزمات التي تعيشها اليوم.
ويقر هايمزاده أن الهدف من تدخل جديد في ليبيا لن يكون “حماية المدنيين” كما في سنة 2011، بل مكافحة وجود تنظيم “الدولة” في إطار الحرب ضد الإرهاب، التي تسارعت خطواتها بعد اعتداءات باريس في نوفمبر الماضي، ويتمثل السيناريو الأمثل بالنسبة للمسؤولين العسكريين في كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، تقديم حكومة وحدة ليبية طلب مساعدة رسمية لإعطاء الشرعية للتدخل، لكن الحكومة الموقع على تشكيلها أطراف النزاع بالصخيرات في 17 ديسمبر 2015، لم تر النور بعد، في ظل الانشقاقات المتواصلة داخل المشهد الليبي، ما جعل الأطراف المنشغلة بالمشهد الليبي تحضر لمخطط احتياطي يتمثل في التدخل دون انتظار قرار من أي حكومة.
اختلاف
ويدعو هايمزاده إلى التفكير بجدية في حدود قوة وضعف التنظيم في ليبيا، داعيا إلى التمحيص في تصريحات المسؤولين الرسميين، والتي تؤكد أن التنظيم وضع ليبيا على رأس أولوياته في المرحلة المقبلة، مع حرصه على تدمير أي مشروع لبناء دولة في ليبيا.
ويقول الدبلوماسي السابق يجب الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الساحة الليبية عن المشهد في كل من سوريا والعراق، داعيا إلى الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات ليبيا.
ويشير هايمزاده أن إحصائيات الأمم المتحدة تؤكد أن ليبيا تحتوي على 3500 مقاتل لفائدة التنظيم، لكن تؤكد سلطات طرابلس أن عددهم لا يتجاوز 1500 رجل، يتمركز معظمهم في سرت وضواحيها، فضلا عن محيط مدينة درنة وعدد من أحياء بنغازي.
ويذكر الكاتب أن أول مجموعة ليبية أعلنت ولاءها للتنظيم، كانت جماعة “مجلس شورى شباب الإسلام“، الذي انضم لـ“داعش” 3 أشهر بعد سيطرته على مدينة الموصل في العراق خلال يونيو 2014، قبل أن يعلن التنظيم في فبراير 2015 عن سيطرته على مدينة سرت وإعلانها عاصمة لـ“ولاية طرابلس“، لكن يشدد هايمزاده على أن ولاء أي مدينة أو منطقة ليبية للتنظيم، يبقى لاعتبارات محلية خاصة، تعكس حالة الصراعات المناطقية والمحلية التي المتصاعدة عقب الثورة الليبية، عقبتها انقسامات جغرافية حادة، أخذت طابعا إيديولوجيا في ما بعد، حيث تهدف الأطراف المحلية للطرف التي تعتقد أنه الأقوى لتوفر الحماية لنفسها، في ظل غياب أي سلطات فاعلة، وفي ظل نسيج اجتماعي مفكك، حيث حل الولاء للعائلة والقبيلة والمنطقة محل الولاء للوطن.
ويذكر الكاتب أن مدينة درنة كانت تقدم في السابق على أنها حصن منيع للتنظيم لا يمكن استرجاعه، لكن عدد من الكتائب المحلية تدعمها قوات خليفة حفتر تمكنت من طرده من المدينة.
أما في بنغازي، أين يتواجد التنظيم في جبهتين ضد قوات حفتر، فمرده رغبة القوى الثورية ذات التوجه الإسلامي على غرار “مجلس شورى ثوار بنغازي” كسب المزيد من الدعم لمنع حفتر من التقدم.
خصوصيات
أما مدينة سرت –التي يقدمها الإعلام الغربي على أنها “الرقة الليبية“- فهي تعتبر المدينة الوحيدة التي يسيطر عليها التنظيم ، حيث يرى هايمزاده أن هناك عوامل تاريخية وسوسيولوجية تفسر خضوع المدينة لـ“داعش“، باعتبارها آخر قلاع القذافي وتضم القبيلة التي ينحدر منها، ما جعلها تتعرض لحصار خانق، أجبر عدد من سكانها على التهجير، ما أدى إلى تفكك نسيجها الاجتماعي، فضلا عن غياب أي كتيبة ثورية تدافع عن المدينة، حيث وقد تولت كتائب مصراتة في البداية حفظ الأمن في المدينة، لكنها لم تكسب ثقة سكانها، وتم النظر إليها على أنها قوات احتلال، ما وفر المناخ المناسب لتسرب القوى الجهادية إلى المدينة التي اختارت في النهاية الولاء لـ“داعش“.
تفكك
ويعتمد التنظيم في سيطرته على المدينة على قوات محلية وعناصر أجنبية قادمة من تونس والجزائر والصومال وموريتانيا ومالي ومصر، كما يسعى إلى الحفاظ على المدينة في صفه باعتبار موقعها الاستراتيجي في قلب ليبيا، ووسط القوتين المتنازعتين في طرابلس وطبرق، حيث استفاد التنظيم بشكل كبير من الصراع الدائر بين شرق البلاد وغربها، علاوة على انقسام كتائب مصراتة بين من يساند أولوية محاربة “داعش” وأولوية الحفاظ على طرابلس.
ويؤكد هايمزاده أن نموذج مدينة درنة –التي تمكنت من طرد “داعش“- يؤكد نظرية وجود قوة محلية وإقليمية توفر بديلا مقبولا للسكان، قد تجعل قوات التنظيم تخرج من سرت، إذا ما توفرت قوة محلية مقبولة شعبيا.
ويخلص الكاتب إلى القول إن وعي التنظيم بصعوبة السيطرة العسكرية في بلد مترامي الأطراف مثل ليبيا، يجعله يعمل على إدامة الخلافات والانقسامات بين الإخوة الأعداد في ليبيا، ويأمل في تعثر تشكيل حكومة الوحدة الوطنية من خلال الهجوم على نقاط حساسة في مناطق نفوذ طرفي النزاع، فضلا عن مهاجمة المنشآت النفطية القريبة من سرت والواقعة تحت سيطرة القيادي الفدرالي إبراهيم الجضران بهدف السيطرة على الموارد الوطنية لليبيين، لكن فشل التنظيم إلى حد الآن في التوسع شرقا وغربا انطلاقا من سرت.
هذا الفشل جعل التنظيم يسعى للتوسع جنوبا باتجاه منطقة الساحل الإفريقي من خلال انتداب مقاتلين طوارق، حيث تؤكد اعتداءات مدينة زليتن يوم 8 يناير الماضي والهجمات الانتحارية على موانئ راس لانوف والسدرة أن الوضع الحالي ليس في صالح التنظيم، خاصة وأن كتائب مصراتة أعلنت استعدادها للتعاون مع “ميلشيات” الجضران لحماية المواقع النفطية، بالرغم من أن الطرفين كانا خلال سنة 2014 في صراع، حيث اتفق الطرفان على تشكيل غرفة عمليات مشتركة لإغاثة المصابين في المواقع النفطية بمستشفيات مصراتة.
علاوة على أن هجوم زليتن قد خلف حالة رفض ليبية شاملة لوجود التنظيم، خاصة وأن منفذي الهجوم ينتمون إلى بلدان الساحل والقرن الإفريقي، كما تداول الليبيون على مواقع التواصل الاجتماعي صورا لأحد منفذي هجوم زليتن، وهو مراهق هرب من منزل عائلته في طرابلس قبل أسابيع ليتم تجنيده لتنفيذ العملية، ما خلق حالة من الصدمة والوحدة المناطقية في ليبيا ضد تنظيم “الدولة“.
ويقدر هايمزاده أن هجوم زليتن وحَد لأول مرة منذ سقوط القذافي كل الفرقاء ضد الهجوم الدامي، كما يعتبر بمثابة صفارة إنذار للعائلات الليبية لخطر التطرف.
ويشدد هايمزاده أن أي تدخل دولي جديد في ليبيا سواء كان منفردا أو بدعم حكومة ليبية، سيعيد من جديد إلى السطح النقاش الداخلي حول سيادة البلاد، ما قد يزيد المشاكل أكثر من حلها، فحتى لو وافق طرفا النزاع على فكرة التدخل الخارجي، يبقى معظم الشعب الليبي رافضا لهذا الخيار، سواء كان التدخل غربيا أو عربيا، داعيا إلى العمل على بناء تحالف ليبي–ليبي ضد التنظيم والتخلي عن فكرة التدخل الأجنبي، التي ستضعف حكومة الوحدة المنتظرة، ويجعل الليبيين ينظرون إليها على أنها دمية بيد القوى الغربية.
ستراتفور: الصراع النفطي يتهدد حكومة الوحدة
ذكر موقع “ستراتفور” – شركة استعلامات أمريكية خاصة، تأسست سنة 1996-، في مقال صدر بتاريخ 15 يناير 2016، أن الصراع حول النفط بين الحكومتين المتنافستين في ليبيا، يهدد بإفشال حكومة الوحدة الوطنية، قبل أن تتسلم السلطة، وقد تعاقدت المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس مؤخرا مع الناقلة “ناسو” من أجل تحميل شحنة من النفط الخام من ميناء تصدير النفط من محطة رأس لانوف، التي كانت مغلقة منذ ديسمبر 2014، ومع ذلك، قام حرس المنشآت النفطية، الموالي للحكومة الليبية في طبرق، بمنع الشحن في 14 يناير الماضي.
حصلت الحادثة بعد أقل من شهر من إعلان المؤسسة الوطنية للنفط في البيضاء عن أنها وقعت مذكرة تفاهم مع الشركة العامة للمصرية للبترول من أجل بيع 2 مليون برميل شهريا من النفط خام السرير ومسلة، وإذا تم الانتهاء من اللمسات الأخيرة من الاتفاق، ستكون أول صفقة تصدير ناجحة للمؤسسة الوطنية للنفط شرق ليبيا.
وبيَن الموقع أن الصراع بين المؤسستين الوطنيتين للنفط في طرابلس والبيضاء، سيكون التحدي الرئيسي الأول للحكومة الجديدة، وأضاف أن محاولة تحميل النفط من المؤسسة في طرابلس وصفقة التصدير للمؤسسة في البيضاء، يمكن أن تثير مواجهة جديدة بين الشرق والغرب، ما يعني حشد حراس المنشآت النفطية من أجل حماية محطات التصدير، وسيتعين على الحكومة إيجاد حل وسط بسرعة قبل تصاعد الموقف، ومع ذلك، القول أسهل من الفعل، فعلى الرغم من أن حكومة الوحدة الوطنية قد تنجح في البداية بدمج المؤسستين الوطنيتين للنفط، فإن تفكك النسيج الاجتماعي الليبي والعداوات الراسخة ضد طرابلس يعني أن استقرار الصادرات النفطية في ليبيا يبدو بعيدا.
صراعات
وذكر الموقع أن عائدات النفط والغاز الليبية عرفت انقطاعات خلال الصراع، وكان هناك تأخير في المدفوعات، إضافة إلى عديد المشاكل الأخرى، ومنذ أن بدأت الصراعات السياسية في نهاية عام 2014، بقي إنتاج النفط دون 500 ألف برميل يوميا، وتظهر آخر الأرقام أنه وصل إلى 380 ألف برميل يوميا، ويأتي أكثر من النصف من الجزء الشرقي للبلاد.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة الليبية في طبرق لم تحاول تأسيس مؤسسة وطنية للنفط منفصلة حتى مارس 2015، عندما أصبح واضحا أنه لا يمكن التحكم بمكتب المؤسسة في طرابلس، ومنذ ذلك الحين، سعت لتقويض المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس بمحاولة إقناع الشركات والناقلات الأجنبية بالعمل والتسجيل لديها، ما تضمن التهديد بالإجراءات القانونية والتفاوض مباشرة مع الشركات العالمية، وإنشاء حسابات مصرفية في الخارج لتلقي المدفوعات.
ولم تحاول الحكومة الليبية في طبرق إنشاء مؤسسة نفطية من الألف إلى الياء، وبدلا من ذلك، هدفت لاستبدال المؤسسة الوطنية للنفط، وأدى ذلك إلى الإبقاء على العقود الموقعة قبل مارس 2015 ورفض جميع العقود التي وقعتها المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس منذ ذلك الحين، وكان أكبرها عقدا مدته 18 شهرا وقع في أغسطس 2015 مع شركة “جلينكور“، وهو عقد يخول للشركة الحصول على حقوق تصدير النفط الخام من حقلي سرير ومسلة عبر محطة مرسى الحريقة، على مشارف طبرق، كما تم منع المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس من استخدام الموانئ في الشرق.
وبين الكاتب أن توقيع الصفقة مع “جلينكور” جعل من الحكومة الليبية في طبرق أكثر تصميما على تصدير النفط الخام بنفسها، ولم تقم فقط باستضافة مؤتمرات لجذب شركات النفط الدولية، ولكنها وضعت أيضا قائمة بالشحنات المعروضة للبيع منذ نهاية أكتوبر 2015، وكانت الشركات النفطية مترددة في القيام بأعمال تجارية مع المؤسسة الوطنية للنفط في البيضاء حتى الآن، ولكن يبدو أن مصر قد تدخلت وأشارت إلى أنها مستعدة لذلك، على الرغم من أنه لم يتم إبرام أي اتفاق نهائي، وتدعي المؤسسة الوطنية للنفط في طبرق أن لها ثلاث اتفاقيات إضافية، وأنها تتفاوض مع 40 شركة، رغم أن معظم الشركات التي ذكرتها صغيرة وغير معروفة نسبيا في منطقة الشرق الأوسط.
حسابات
وأشار الموقع إلى أن أحد أكبر المؤيدين للمؤسسة الوطنية للنفط في البيضاء هو قائد حرس المنشآت النفطية، إبراهيم الجضران، الذي يستخدم نفوذه من أجل السيطرة على أربع من أهم محطات تصدير النفط في ليبيا، من أجل الحصول على تنازلات من قبل الحكومة الليبية في طرابلس.
ومنذ شهر أغسطس 2013 إلى شهر أبريل 2014، منع الجضران المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس من استخدام الموانئ الرئيسية شرق البلاد، وحاول تصدير النفط بشكل مستقل عنها، ووافق أخيرا على إعادة فتح الموانئ، ولكن بعد أن تحصل على تنازلات من رئيس الوزراء في ذلك الوقت، عبد الله الثني، وكانت إحدى أكبر تنازلات الثني تتمثل في لامركزية المؤسسة الوطنية للنفط ونقل مقرها إلى الشرق، وأبرز الموقع أن أي نجاح للمؤسسة الوطنية للنفط في البيضاء في تصدير النفط بشكل مستقل، سيساعد الجضران في تحقيق هدفه بتوسيع نفوذه شرق ليبيا.
وتسعى المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس حاليا لتحميل النفط في رأس لانوف، ما يجعل نشوب صراع بين الفصائل المتنافسة عاليا، حيث منع الجضران ناقلة نفط تابعة لها من شحن النفط، مشيرا إلى مخاوف أمنية، فقد تعرضت المحطة لهجوم من قبل تنظيم “الدولة” في 4 و14 يناير الماضي.
وبين الموقع أن تعاون الجضران مع المنظمات في الشرق عملي في نواح كثيرة، فهو مستعد للقيام بتنازلات لحماية المنشآت من تنظيم “الدولة” ومواجهة قائد الجيش الليبي، خليفة حفتر (المعين من قبل مجلس النواب) كما يمكنه أن يتعاون في نهاية المطاف مع المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس بشأن الصادرات النفطية للحصول على الأموال اللازمة من أجل محاربة تنظيم “الدولة” حتى تصبح الحكومة قادرة على ذلك، ولكن مثل هذا التعاون لن يكون دائما، حتى لو تحقق، نظرا لعدم توافق مطالب الجضران بوجود حكومي أكبر شرق ليبيا ومطالب الحكومة الليبية في طرابلس بوجود مؤسسات مركزية قوية في طرابلس.
وبما أن المؤسسة الوطنية للنفط في البيضاء لا تحاول إرساء بناء مؤسسة وطنية أخرى، فهي تسعى لاستمالة فروع المؤسسة في طرابلس والمشاريع المشتركة التي تقوم بإدارة حقول النفط والغاز والمنشآت، ويشمل الشركات التي تعمل على الصعيد العالمي، مثل “إيني” مليتة للنفط والغاز أو ربسول أكاكوس للعمليات النفطية، وأخرى مثل شركة الواحة للنفط أو شركة الخليج العربي للنفط، وما تهدف المؤسسة الوطنية للنفط في طبرق للقيام به أساسا هو محاولة التفاوض بشكل مباشر مع فروع المؤسسة في طرابلس وأهمها “اجكو“، التي تنتج ما بين 200 و250 ألف برميل يوميا للتصدير من مرسى الحريقة في طبرق، ولكن الشركة ما تزال تتعامل مع المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس.
ولكن لم تقم المؤسسة الوطنية للنفط في طبرق بأي خطوة لإغلاق الميناء أو إجبار الشركة على التصدير من خلالها، لعدة أسباب، حسب الموقع: أولا، يعلم كل من حرس المنشآت و“اجكو” أن قدرة المؤسسة الوطنية للنفط في البيضاء محدودة، وأن عدم التعامل مع طرابلس قد يعني التخلي عن رواتبهم التي تدفع عن طريق مصرف ليبيا المركزي، ثانيا، لأنه يتم تكرير نصف النفط المستخرج من المحطة محليا ويتم توزيعه في جميع أنحاء البلاد، وهذا يعني أنه إذا قامت المؤسسة الوطنية للنفط بعرقلة تلك العملية، فمن المرجح أن تحتاج لإيجاد طريقة أخرى لتأمين المنتجات المكررة الحيوية لشرق ليبيا.
حكومة
وبغض النظر عما إذا كانت المؤسسة الوطنية للنفط في البيضاء قادرة على التوصل إلى اتفاق مع مصر حول بيع شحنة نفط شهريا، فستكون هناك مواجهة على مستوى ميناء مرسى الحريقة، وهذا يعني أن الاتفاق سيقوض الصفقة مع “اجكو“، ويعني أيضا أن هذه الأخيرة قد تنقلب على الجانبين وتتفاوض على بيع نفطها إلى المؤسسة الوطنية للنفط في البيضاء، أو أن تحاول أن تبسط سيطرتها المادية على الميناء.
وبين الموقع أن هناك مستوى معينا من التفاوض بين المؤسسة الوطنية للنفط في البيضاء و“اجكو“، ولكن من المرجح أن يتعامل المجتمع الدولي مع العملية على أنها غير مشروعة وقد يرفضها، كما فعل قبل عامين، عندما حاول الجضران تصدير النفط الخام.
وأوضح الموقع أن إنشاء حكومة وحدة وطنية من شأنه أن يساعد على حل بعض هذه المشاكل، حتى الآن، تتداخل الوظائف الفعلية للمؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس والوظائف النظرية للمؤسسة الوطنية للنفط في طبرق، علاوة على أن تهديد تنظيم “الدولة” يوفر بالتأكيد دفعا إضافيا للجانبين من أجل التوحد، ما قاد إلى تشكيل حكومة برعاية الأمم المتحدة في المقام الأول، ولكن الانقسامات التي جعلت الصادرات الليبية متقطعة منذ الإطاحة بالقذافي، لم تحل بعد وستستمر على الأرجح.
وتبقى حكومة الوحدة الوطنية الأمل الحقيقي الوحيد لضمان الاستقرار السياسي والاقتصادي وتحقيق اللامركزية، ونقل بعض الوظائف الحكومية إلى مدينة بنغازي شرق ليبيا، ولكنها تدرك جيدا أن مثل هذا الاقتراح، لن يجد صدى جيدا في غرب ليبيا.
وبين الموقع أن المشكل حاليا هو أن حكومة الوحدة لم تتحصل على دعم واسع النطاق، وهي منقسمة حول القضايا الرئيسية، وهذا يعني أن في طبرق وطرابلس هناك كتلة كبيرة تعرض توحيد المؤسسة الوطنية للنفط، وستواجه الحكومة الجديدة صعوبة في الاستقرار في طرابلس، وقد لا تتمكن بما يكفي لإحراز تقدم في البلاد.
مجابهة «داعش» رهن توافق الليبيين
تمدد تنظيم «داعش» الإرهابي في ليبيا، وإن لم يكن يوازي حجم سيطرته على مساحات شاسعة في سوريا والعراق، يثير هواجس ليبية وعربية ودولية، إلا أن فتح جبهة ثالثة ضد التنظيم، لاسيما مع تنامي هجماته على قطاع النفط، يتطلب غطاء سياسيا بتشكيل حكومة وفاق وطني قوية ومتماسكة أولا، إلى جانب تفويض أممي جديد.
التنظيم ينطلق في هجماته، التي تستهدف البنية النفطية، مستغلا الفراغ السياسي، حيث لم يتم الاتفاق على الحكومة إلى الآن، وبعد أن سيطر على مدينة سرت في يونيو الماضي، وبات يبعد نحو 300 كيلومتر فقط عن الساحل الاوروبي، نجح في استقطاب مئات المقاتلين الاجانب الى قاعدته الخلفية في ليبيا، حيث يقدر عدد مقاتليه هناك بنحو ستة آلاف.
ويقول الخبير في معهد المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ماتييا توالدو ان «فشل المسار السياسي والتحركات المتزايدة لتنظيم داعش جعل التدخل العسكري أكثر واقعية خلال الاسابيع الماضية».
حكومة وتفويض
وبينما قال مسؤولون أميركيون إن الغرب أمامه أسابيع وربما شهور للتوافق والإعداد لشن حملة عسكرية محتملة، إلا أنهم أكدوا أن أكبر العقبات أمام ذلك هو تشكيل حكومة ليبية موحدة قوية بما يكفي لطلب دعم عسكري خارجي، فضلا عن تفويض جديد من الأمم المتحدة.
بدورها، قالت مفوضة الاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية فيديركا موغيريني إن أفضل شرط لمحاربة «داعش» يتمثل في تشكيل حكومة وفاق وطني، كما قال الأمين العام لحلف الأطلسي ينس ستولتنبورغ إن الحلف مستعد لإرسال مستشارين ومدربين إلى ليبيا بطلب من حكومة وفاق، فيما أكدت وزيرة الدفاع الألمانية اورسولا فون دي ليين أن تحول ليبيا معقلا لـ«داعش» يزيد الضغوط من أجل تشكيل الحكومة، إلا أنها حذرت من أن أي عمل عسكري قد يوسع نفوذ التنظيم.
تدخل فوري
بالمقابل، دعت صحيفة «إيكونومست» البريطانية إلى تدخل فوري في ليبيا، من دون انتظار نجاح العملية السياسية، مشيرة إلى أن الظروف التي سمحت لـ«داعش» بالتوسع والانتشار داخل ليبيا هي ذاتها التي ستعرقل تنفيذ تدخل عسكري ناجح.
وحذرت الصحيفة من أن التنظيم استطاع أن يسيطر على أكثر من 1600 كيلومتر من الساحل الليبي، بضم مقاتلين من تشكيلات محلية مثل تنظيم «أنصار الشريعة»، ومن مدينة سرت، التي وصفتها بـ«الرقة الليبية».
بدوره، يقول مايكل أوهانلون من معهد «بروكينغز» الأميركي للدراسات الاستراتيجية: «أتوقع أن يتريث (الرئيس الأميركي باراك) أوباما حول ليبيا كما فعل مع سوريا. لكنني أعتقد أنه سيلجأ سريعا إلى القوة الجوية وربما أحيانا إلى عمليات كوماندوز إذا تبين أن من شأنها احتواء أو إضعاف التنظيم».
تخفيف ضغط
التدخل العسكري قد يكون له آثار إيجابية على الارض، على الاقل لجهة وقف تصاعد قوة التنظيم في ليبيا، إلا أن الأوساط الرافضة له تبدي قلقها من أن يستغل التنظيم وجوده في ليبيا لتخفيف ضغط الغارات الجوية التي يشنها التحالف الدولي على قاعدته الرئيسية في العراق وسوريا.
كذلك، فإن انطلاق الحملة العسكرية قبل التوصل الى اتفاق سياسي ليبي شامل سيرسخ الانقسامات السياسية في البلاد، كما أنه سيواجه بالرفض من قبل سلطات العاصمة التي تدير طرابلس بمساندة تحالف جماعات مسلحة تحت لواء «فجر ليبيا».
وكشف مصدر مطلع على سير محادثات تشكيل حكومة الوفاق الثانية أن المجلس الرئاسي للحكومة يواصل مشاوراته للتوصل إلى صيغة نهائية لشكل الحكومة الجديدة، إلا أن الخلافات بين بعض أعضائه حول اعتماد وتسميات بعض الوزارات السيادية تعرقل إعلان الحكومة.
قلق تونسي
استبق الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي التدخل العسكري الغربي المحتمل في ليبيا، بالتحذير من عواقبه الوخيمة على بلاده، مطالبا الجهات التونسية المختصة بالاستعداد لمواجهة ارتدادات هذا التحرك وانعكاساته على الأوضاع العامة في تونس. فيما استكمل الجيش التونسي مد جدار ترابي على طول الحدود مع ليبيا ضمن خططه لتعزيز المراقبة ومكافحة الإرهاب.
الجزائر تتحوّط للتدخّل في ليبيا: إجراءات استباقية على الحدود
يتزايد التخوّف والقلق في الجزائر من حالة الفوضى واللااستقرار التي تسيطر على ليبيا، وهي مخاوف تعززت في ظل ارتفاع الحديث عن قرب التدخّل العسكري الأجنبي لمواجهة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في الأراضي الليبية، ما دفع السلطات الجزائرية إلى تعزيز تواجد قواتها العسكرية على حدودها مع ليبيا وتونس.
وبدأ الجيش الجزائري بخطة أمنية استباقية على حدود البلاد من أجل تأمينها ومنع أي تسلل للمتطرفين وعناصر تنظيم “داعش“. وسبق لنائب وزير الدفاع الجزائري، رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح، أن كشف عن “إجراءات استباقية” اتخذتها قيادة الجيش الجزائري بغية تأمين كافة الحدود الجزائرية، وذلك “لمواجهة أي طارئ ومهما كانت طبيعة التهديدات“، كما أعلن في زيارة ميدانية قام بها إلى المنطقة العسكرية في مدينة قسنطينة شرق الجزائر.
” |
اجتماعات حثيثة قام بها رئيس أركان الجيش الجزائري خلال الأيام الأخيرة، ضمت مختلف كوادر الجيش الجزائري وممثلي مختلف الأسلاك الأمنية عبر عدة مراكز عسكرية في الجزائر، وخصوصاً المراكز العسكرية المتاخمة للحدود الجزائرية مع ليبيا في كل من ولايات أدرار وغرداية وبشار وقسنطينة. ولفت المسؤول العسكري، بحسب بيانات وزارة الدفاع، إلى أن القوات الجزائرية باشرت تأمين كافة الحدود الجزائرية مع البلدان الأفريقية والجنوبية الشرقية في الحدود مع ليبيا.
كما تفيد بعض المعلومات عن تواجد ما يزيد عن 35 ألف جندي مرابض على الحدود الجزائرية الشرقية، أي المتاخمة لكل من تونس في الشمال، وليبيا في الجنوب، من بينهم الآلاف من الجنود في الحدود الجنوبية مع كل من التشاد ومالي. كما تشير المعلومات إلى جولات استطلاعية لقيادة الجيش الجزائري في الميدان لبحث مختلف الخطط للرد على أي تهديدات أمنية وإرهابية محتملة، ما دام خطر الإرهاب ووجود عناصر “داعش” قائماً.
ويرى متابعون للشأن الأمني في دول جوار ليبيا، أن هذه الإجراءات تأتي على خلفية مخاوف للقيادة الجزائرية والسلطات من أي ارتدادات لأي عمل عسكري ضد معاقل تنظيم “داعش” في ليبيا.
” “ |
ويقول الخبير في الشؤون الأمنية عبد القادر عماني، لـ“العربي الجديد“، إن الجزائر باشرت في تحصين حدودها في عملية استباقية لأي خطر محدق، خصوصاً بعد تواتر المعلومات باحتمال تدخّل عسكري في ليبيا، ما دفع الجزائر لتصبح “يقظة لما يجري من حولها“. ويعتبر أن توجيه ضربات عسكرية لمعاقل “داعش” في ليبيا، معناه أن الخطر محدق بالجزائر لا محالة، خصوصاً أن أية ضربة قد تدفع عناصر التنظيم للتقدّم نحو الجزائر بحثاً عن مناطق آمنة والهروب، وهو ما معناه أنه سيتم جر الجزائر نحو معركة ستكون البلاد في بدايتها خاسرة، ونحو حرب رفضتها في البداية.
موقف الجزائر بخصوص مجريات الوضع في ليبيا ثابت، بدعوتها الدائمة إلى الحل السلمي للأزمة الليبية وإصرارها على الحل السياسي بوساطة دولية، من أجل تشكيل حكومة توافق وطني وبسط المؤسسات السياسية والأمنية في هذا البلد الجار، وهي المؤسسات التي يمكنها أن تعيد الهدوء تدريجياً وتخرج ليبيا من الفوضى، رافضة التدخّل العسكري في ليبيا جملة وتفصيلاً، كمبدأ من مبادئ الجزائر في حلحلة الأزمات الداخلية للدول.
كما حذرت الدبلوماسية الجزائرية في أكثر من مرة من أي تدخّل عسكري في ليبيا، لأن وجود عناصر “داعش” يبقى تهديداً مستمراً لاستقرار الجزائر، كما أن التدخّل العسكري من شأنه أن يأخذ ليبيا إلى بحر من الدماء والمآسي الإنسانية وهروب الآلاف من أبنائها نحو البلدان المجاورة. وعرفت السلطات الجزائرية تجربة في محاربة الإرهاب ومكافحة معاقله طيلة 20 عاماً، وهو مؤشر يعزز القناعة لدى القيادة العسكرية الجزائرية بأن التدخّل العسكري لن يكون الحل للأزمة في ليبيا، من دون المصالحة الوطنية بين أبناء الشعب الليبي والفرقاء السياسيين وإحلال السلم عن طريق الحوار السلمي في ما بينهم، ما قد يُمكّن ليبيا من الخروج من عنق الزجاجة وبسط الأمن والاستقرار.
ليبيا: انطلاق العد العكسي للتدخّل العسكري الأجنبي
باتت الأجواء الحربية التي تحوم فوق الأراضي الليبية أقوى من أي يوم مضى. معطيات عديدة تفيد بتلك الخلاصة، لمستها “العربي الجديد” من مصادر ليبية وتونسية وأجنبية، جميعها تفيد بأن العد العكسي لتوسيع “الحرب على الإرهاب” باتجاه الأراضي الليبية تحت شعار “محاربة داعش“، انطلق بالفعل. أحدث المعطيات اختصرها كلام الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ينس ستولتنبرغ، أمس الجمعة، لدى وصوله إلى اجتماع لوزراء دفاع بلدان الاتحاد الأوروبي، في أمستردام، وحرفيته أن “الحلف على استعداد لدعم محاربة تنظيم الدولة الإرهابي في ليبيا، لكن فقط بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية“.
يلخّص هذا التصريح بشكل واضح الاستعدادات الدولية للتدخّل العسكري في ليبيا، على الرغم من بعض التصريحات التي تؤكد على المسار السياسي، وتحاول أن تغطي على الرغبة الدولية في تدخّل عسكري في ليبيا، يبدو وشيكاً جداً بحسب المعلومات المتقاطعة التي وصلت لـ“العربي الجديد“، من مصادر متنوعة.
لم يكن تصريح ستولتنبرغ مفاجئاً، فقد سبقته زيارة رئيس اللجنة العسكرية في الحلف الأطلسي، الجنرال بيتر بافال إلى تونس منذ أسبوع، عقد خلالها سلسلة من اللقاءات جمعته بوزير الدفاع التونسي فرحات الحرشاني، وقائد الجيوش التونسية الجنرال إسماعيل فتحي، والجنرال توفيق الرحموني. كذلك حضر بافال جلسة عمل مع أعضاء لجنة المتابعة للسلام والأمن في المتوسط، وعبّر عن ارتياح “الأطلسي” للتعامل مع تونس.
في المقابل، عبّر المسؤولون التونسيون عن مخاوفهم من تدهور الأوضاع في ليبيا، وهو ما أكده أول من أمس الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، محذراً من التدخّل العسكري من دون استشارة تونس. ولكن هذا التصريح يعكس أيضاً علم السلطات التونسية بالتدخّل، واشتراطها فقط أن يتم التنسيق معها، ومع دول الجوار، لأنها ستدفع الفاتورة الأكبر، كما حدث في 2011 عند الإطاحة بالعقيد الليبي معمر القذافي.
” “ |
تبدو المخاوف التونسية كبيرة من تكرار ذلك السيناريو، وإن كان ما قد يحدث اليوم أخطر بكثير بحكم إمكانية تسلّل إرهابيين إلى البلاد، وأكد السبسي في هذا الصدد أن تونس لن تغلق حدودها مع ليبيا، محمّلاً المجتمع الدولي مسؤوليته في ذلك.
وتؤكد معلومات حصلت عليها “العربي الجديد” أن منظمات الإغاثة الدولية بدأت تستعد في الجنوب التونسي لارتدادات الضربات العسكرية على اعتبار أن “الضربات صارت حتمية“. واقع لم ينفه رئيس منظمة الهلال الأحمر التونسي الطاهر الشنيتي، في حديث مع “العربي الجديد“، مؤكداً بداية الاستعداد لكل السيناريوهات. وقال الشنيتي إن عمليات التنسيق تتم بالفعل منذ مدة مع المنظمات الدولية، وستجري غداً الأحد “عملية بيضاء” (تمرين)، بمساهمة من وزارة الصحة التونسية والدفاع المدني التونسي ومنظمتي “أطباء بلا حدود” و“أطباء العالم” الدوليتين، و“اللجنة الدولية للصليب الأحمر“، استعداداً لتدفق اللاجئين والمهجرين فور بدء التدخّل العسكري الخارجي.
ولفت الشنيتي إلى أن نحو ثلاثة آلاف ليبي يعبرون يومياً إلى تونس منذ ثلاثة أيام، مؤكداً استعداد تونس بشكل أفضل مما كان عليه الوضع في 2011. وتابع أن لقاءات ستجمعه مع ممثلي الاتحاد الأوروبي يوم الإثنين المقبل للتباحث في هذا الشأن، مؤكداً أن الاتحاد رصد ميزانية كبيرة لهذا السيناريو. ولفت إلى أن الحكومة التونسية لن تكرر سيناريو مخيم “المشوشة” كما حدث سابقاً، ولن تكون إلا نقطة عبور للاجئين غير الليبيين، يتم ترحيلهم بعد ذلك عبر البواخر والطائرات إلى بلدانهم. ويكرر المسؤولون التونسيون أنهم يريدون من المجتمع الدولي ألا يترك بلدهم وحيداً في مواجهة انعكاسات التدخّل العسكري في ليبيا، وأن يدعمه على مستوى استقبال وترحيل اللاجئين، وعلى مراقبة حدود البلاد ودعمها عسكرياً في ذلك.
وتتقاطع هذه المعلومات مع ما سبق أن ذكره وزير ليبي لـ“العربي الجديد“، عن أن هناك استعداداً في إيطاليا لتدخّل عسكري، مع وجود بواخر في الجنوب الإيطالي مستعدة لذلك، وهو ما أكدته منذ يومين وزيرة الدفاع الإيطالية روبرتا بينوتي، بإعلانها عن نشر قطع بحرية قبالة سواحل ليبيا.
وفي السياق، شدّد وزير الدفاع الأميركي، أشتون كارتر، أمس الجمعة، من قاعدة نيفادا، على أن الولايات المتحدة تراقب الأحداث الجارية في ليبيا عن كثب. ولفت كارتر إلى أن تنظيم “داعش” يسعى إلى كسب موطئ قدم بليبيا في ضوء البيئة السياسية المضطربة هناك، حيث تمكّن التنظيم الإرهابي من الاستيلاء على فضاء يقوم من خلاله بترويع المواطنين ويدبر مخططات إرهابية وهو ما تحاول الولايات المتحدة تفاديه.
وأوضح وزير الدفاع الأميركي أن الولايات المتحدة أبدت استعدادها بالتعاون مع دول أخرى لمساعدة الليبيين لضمان أمن بلادهم، مشيراً إلى أن إيطاليا أعلنت عزمها اتخاذ زمام المبادرة وهو ما ترحب به الولايات المتحدة، مشدداً على ضرورة العمل على المسار السياسي.
وتؤكد هذه التصريحات من جهة تصاعد الاستعدادات، ولكنها تعكس أيضاً عمق التنسيق الأميركي الايطالي، في تباين مع رؤى بعض الدول الأوروبية الأخرى. ويبدو أن القرار الأميركي محسوم في هذا الاتجاه، ومرتبط مباشرة بالوضع الداخلي الأميركي وبالانتخابات الأميركية تحديداً، حيث يسعى الديمقراطيون إلى منافسة الجمهوريين في أهم شعاراتهم، لناحية استعراض القوة و“استعادة صورة أميركا القوية“. وفي هذا السياق، تشير مصادر دبلوماسية عاملة في تونس لـ“العربي الجديد“، إلى أن الديمقراطيين يميلون نحو ضرورة تزامن الانتخابات مع ضربات عسكرية في أكثر من مكان، ومن بينها ليبيا.
تونسياً، يبدو الخيار السياسي محسوماً في خصوص دعم الجهود السياسية الدولية، والاتفاق السياسي، والحكومة الجديدة. ويبدو أيضاً أن قرار حركة “النهضة” متناسق مع الخيار الرسمي، نظراً لدورها في السعي إلى تقريب وجهات النظر. وتؤكد مصادر قياديّة في الحركة لـ“العربي الجديد“، أن كل مساعي “النهضة” ليبياً تتم بعلم السلطات التونسية وبالتنسيق معها.
وتتكثف حركة اللقاءات التونسية–الليبية الساعية إلى تفادي الهجوم العسكري. أحدث الاجتماعات سجّلها زعيم “النهضة” راشد الغنوشي أخيراً في تونس مع رئيس حزب “العدالة والبناء” الليبي، محمد صوان، ولقاء الأخير مع المكلف بتأليف حكومة ليبية جديدة، فايز السراج، والمكالمة التي جمعت الغنوشي أيضاً بالسراج، فضلاً عن لقاءات صوان مع وزير الخارجية التونسي السابق الطيب البكوش. وتشير مصادر مطلعة على مجرى هذه اللقاءات إلى أن “النهضة” كانت تسعى إلى إقناع صوان بضرورة الانضمام إلى الوفاق الليبي والمساعي لتشكيل حكومة الوفاق، وهو ما تم بالفعل في التشكيلة الحكومية التي رفضها برلمان طبرق.
“ “ |
وفي سياق محاولات “النهضة” لتأمين إجماع سياسي من شأنه أن يجنّب ليبيا تدخلاً أجنبياً يزيد من حجم الخراب، تحاول “النهضة” تقريب وجهات النظر بين جميع الأطراف، واضطرت لهذا الهدف إلى الاتصال بمجموعة من رموز نظام القذافي، فقد علمت “العربي الجديد” أن الغنوشي اتصل بأحمد قذاف الدم وعبد الرحمن شلقم ومحمود جِبْرِيل وغيرهم، لإيمان الحركة بضرورة المصالحة الشاملة في ليبيا، كحل وحيد لإنهاء الصراعات الدائرة هناك. وتؤكد مصادر “العربي الجديد” أن مكالمة الغنوشي مع السراج أخيراً صبّت في الاتجاه نفسه، وكان موضوع دخول الحكومة الجديدة إلى طرابلس من بين مواضيعها.
ولفتت هذه المصادر إلى أن زيارة الغنوشي إلى تركيا بمناسبة التهنئة المتأخرة لحزب “العدالة والتنمية” بفوزه في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تناولت أيضاً الشأن الليبي والتطورات المتسارعة في المنطقة، بالإضافة إلى سبل دعم تونس اقتصادياً في هذه المرحلة. تبقى المشكلة الأكبر في هذا السياق، الحيرة التركية الكبيرة إزاء قرار التدخّل العسكري، بين الموقف التركي المبدئي الرافض للتدخّل العسكري الأجنبي من جهة، ووضع تركيا كدولة أساسية في حلف شمال الأطلسي من جهة ثانية.
المركز المغاربي للأبحاث حول ليبيا
تعريف:
تأسس المركز المغاربي للأبحاث حول ليبيا في جوان - يونيو 2015 في تونس، وهو أول مركز من نوعه يعمل بكل استقلالية من أجل تعميق المعرفة بليبيا في جميع المجالات والقطاعات، ويرفد بالمادة العلمية جهود المجتمع المدني في ليبيا لإقامة الحكم الرشيد، المبني على التعددية والتداول السلمي واحترام حقوق الإنسان . مؤسس المركز: الإعلامي والباحث التونسي رشيد خشانة يقوم المركز بنشر مقالات وأوراق بحثية بالعربية والأنكليزية والفرنسية، ويُقيم مؤتمرات وندوات علمية، وباكورة نشاطاته ندوة حول "إسهام المجتمع المدني في إعادة الاستقرار والانتقال الديمقراطي بليبيا" يومي 5 و6 أكتوبر 2015 بتونس العاصمة.
موقع "ليبيا الجديدة"
موقع إخباري وتحليلي يبث الأخبار السريعة والتقارير السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية عن ليبيا، ديدنُه حق المواطن في الإعلام، ورائدُه التحري والدقة، وضالتُه الحقيقة، وأفقهُ المغرب العربي الكبير. يتبنى الموقع أهداف ثورة 17 فبراير ومبادئها السامية ويسعى للمساهمة في بناء ليبيا الجديدة القائمة على الديمقراطية واحترام حقوق الانسان والحكم الرشيد.
