لم يكن إعلان المبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر بشأن فشل مساعيه في إقناع كل الأطراف بالتوافق على حل سياسي للأزمة الليبية مفاجئا.
المؤشرات منذ ما قبل رحيل المبعوث السابق ليوناردينو ليون كانت أيضا تؤكد “وهمية” المساعي التي تقوم بها الأمم المتحدة تحت ضغوط دول غربية معينة، على رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. وفي الحقيقة، فهذه الضغوط أثارت كثيرا من الشكوك حول دور الأمم المتحدة في ليبيا وإمكانية نجاحه في ظل ضغوط الدول المذكورة، ومشاركة عناصر الاستخبارات الغربية في المفاوضات والمباحثات حول ليبيا.
إن تصميم الغرب على فرض سيناريو محدد للتسوية الليبية، واستبعاد دول الجوار، أو في أحسن الأحوال تكليفها بأدوار ثانوية، وعدم الإلمام بالخريطة القبلية والعرقية الليبية، ومحاولات الاستئثار الواضحة والتي تتركز على استبعاد غالبية الأطراف الدولية الأخرى، ومحاولات فرض ودعم شكل معين للشراكة في السلطة الليبية، واستبعاد قادة بعينهم وتمكين آخرين يروقون لهم .. كل ذلك يحيط مساعي الغرب بالفشل، ويدق مزيدا من الأسافين بين الليبيين أنفسهم.
الدول الغربية (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا)، تدلي بتصريحات في غاية الأهمية والخطورة، تشكل بانوراما حقيقية لما يحدث حول ليبيا، وليس فيها فقط. فهناك من بين هذه الدول من يتهدد بتحول ليبيا إلى دولة فاشلة. وآخر يؤكد أن تنظيم داعش يتمدد ويتوسع. وثالث يشدد على ضرورة التدخل العسكري في هذا البلد. ورابع يعلن عن استعداده لقيادة عمليات برية للدخول إلى هناك.
كل هذه التصريحات تظهر تباعا، بينما القوات الخاصة الفرنسية والبريطانية موجودة في ليبيا، وتعمل بنشاط غير عادي، فيما تقوم الولايات المتحدة بغاراتها في الأوقات والأماكن المناسبة لها. فعن أي دولة فاشلة يتحدثون، وهم أنفسهم الذين يحظرون توريد السلاح إلى الجيش الليبي؟ وعن أي عمليات برية وقواتهم الخاصة وعناصر استخباراتهم تملأ ليبيا؟
إيطاليا، تعلن عن استعدادها لقيادة حملة عسكرية في ليبيا، ولكنها في الوقت نفسه تعلن في استحياء خشيتها من أن يعتبر الليبيون ذلك غزوا خارجيا! إذن، فماذا يمكن أن نسميه؟! لهذا تحديدا يريد الغرب، عبر الضغط على الأمم المتحدة، تشكيل حكومة الوفاق الوطني بأي شكل وبأي حال لكي تمنحه “رخصة” الدخول إلى ليبيا. ومن الممكن بعد ذلك تغييرها أو إحلال عناصر أخرى فيها وفقا لرؤية الغرب الذي سيكون قد بدأ في تقسيم ليبيا اقتصادا وجغرافيا.
رئيس الحكومة الليبية المؤقتة، عبدالله الثني، اتهم الدول الغربية بأنها تريد تحويل ليبيا إلى دولة فاشلة، وشكك في جديتها بمحاربة الإرهاب. بل واعتبر أنه “لو أن المجتمع الدولي كان جادا في محاربة الإرهاب والقضاء على داعش لما انتظر حتى تشكيل حكومة الوفاق”.
هذه هي رؤية رئيس الحكومة الليبية المؤقتة. ولكن الخطير هنا أن هذه الرؤية تكتمل إذا أشرنا فقط إلى حالة “النهم” التي أصابت واشنطن وباريس ولندن وروما، وكأن ليبيا هي “الدجاجة” التي ستبيض لهم ذهبا.
وبالتالي، فلا ينبغي أن تتدخل أطراف أخرى، وبالذات روسيا والصين. بل ومن الممكن أن يلقي الغرب ببعض الفتات لدول الجوار، بصرف النظر عن المخاطر والتهديدات التي تواجه هذه الدول. مما يولد انطباعا في غاية الخطورة أيضا، وهو أن الغرب لا يريد أن تكون دول الجوار قوية وقادرة على مكافحة الإرهاب، مهما قال من تصريحات معسولة. وذلك من أجل أن يحكم قبضته ليس فقط على ليبيا، بل وعلى تلك الدول التي يجب أن تكون بحاجة دائمة لدعمه وحمايته من الإرهاب، ومواصلة سيناريو اللعب والتلاعب بالجماعات الدينية وتصنيفها كما يحلو له، وإجبار الشعوب على تقبل هذه الجماعات تحت مسميات أمريكية وغربية من قبيل “الإسلام الديمقراطي الجديد”.
داعش” يغنم أيضا من تركة القذافي؟
ذكر موقع وكالة الأنباء الروسية الدولية سبوتنيك في تقرير نشر يوم 13 مارس الجاري بعنوان: “ترسانة القذافي غنائم لـ“داعش” أن الأنظار تتجه هذه الأيام إلى ليبيا، بعدما توغل “داعش” مقابل الضفة الأوروبية، وأحكم قبضته على مناطق ليبية، نظرا لغياب الدولة وانتشار الفوضى وعمليات التسليح العشوائية.
ويقدر الكاتب بأنه ليس من العبث أن يؤرق تمدد تنظيم “داعش” في ليبيا الأوروبيين ودول الجوار على حد سواء، فجميع التقارير تؤكد جدية الخطر القادم من المستنقع الليبي المنفلت بشكل واضح منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، ليزداد سوءا مع تعثر العملية السياسية في ليبيا، وتعذر تشكيل حكومة وحدة وطنية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه هناك.
هذا وقد أفردت صحيفة الاندبندت البريطانية تحقيقا قام به خبير الأسلحة تيموثي ميشيتي –وهو خبير في مجال استقصاء مصادر الأسلحة المستخدمة في مناطق الصراعات حول العالم–، ليفضح حجم خطر التسلح لدى هذا الفرع الناشئ لـ“داعش” في ليبيا.
ويقدر الكاتب أن التنظيم يستميت في محاولات رفع علم خلافته المزعومة فوق الأراضي الليبية، مستغلا غياب الدولة وتعطل المسار السياسي لتشكيل حكومة وطنية ليبية، وعينه طبعا على الثروة النفطية التي تزخر بها البلاد لتمويل عملياته الإرهابية، ولكن حسب التقرير الذي نشرته الاندبندنت، لم يستفد التنظيم من هذه النقاط فقط، بل حصل على غنيمة حقيقية مما تركه نظام معمر القذافي.
ارث
ويكشف التحقيق الذي قام به الخبير عن كيفية حصول تنظيم “داعش” على صواريخ معمر القذافي المضادة للطائرات، ويقول إنه نجح في الوصول إلى مقر إحدى الجماعات المسلحة بمدينة سبها، بعدما أقنع أفرادها بالسماح له برؤية أكثر أسلحتهم قيمة، ووجد في مخازنهم 4 صواريخ من طراز “إس إيه 7″ وصاروخين من الطراز الأحدث للمنظومة ذاتها “إس إيه 16″.
وحصل المسلحون على هذه الصواريخ من مهربين من البدو، كانوا بصدد نقلها بطريقة غير مشروعة إلى تشاد، إلا أن الخبير –الذي اكتشف هذه المعدات– يؤكد أن جميعها من ترسانة القذافي السابقة، واستند الخبير في نتائجه إلى الأرقام التسلسلية للصواريخ.
وبحسب ما ورد في التقرير فإن هذه الصواريخ قادرة على إسقاط طائرات مدنية، لكن يؤكد الخبير ميشيتي أن المقاتلين لا يمتلكون قاذفات لهذه الصواريخ، ما يعني أنهم لا يستطيعون إطلاقها حاليا.
وعززت هذه الحقائق المخاوف من فرضية حصول عناصر التنظيم في ليبيا على بعض هذه الصواريخ، خاصة وأن الآلاف منها اختفت بشكل غامض من مخازن أسلحة نظام القذافي، وتصب هذه الفرضية في خانة توقعات مسؤولين أمريكيين من استخدام “داعش” لهذه الأسلحة في المعارك الدائرة لضم مزيد من المناطق النفطية إلى الأراضي التي يسيطر عليها.
وورد في التقرير أن القذافي كان قد تمكن من الحصول على نحو 20 ألف وحدة من صواريخ الدفاع الجوي المحمولة على الكتف على مدى 4 عقود فترة حكمه، بحسب أقوال مسؤولين في الأمم المتحدة ومسؤولين في الإدارة الأمريكية، لكن غارات حلف شمال الأطلسي “الناتو” تمكنت من تقليص هذه الكمية حتى لا تستولي عليها جهة أخرى، مشيرا إلى أنه غداة سقوط القذافي مباشرة، وجه الرئيس الأمريكي باراك أوباما آنذاك فرقا خاصة إلى ليبيا للقضاء على بقية مخزون الأسلحة، وتمكنت هذه الفرق من تدمير 5 آلاف وحدة أخرى، لكن المسؤولين الأمريكيين ليسوا متأكدين حتى الآن من عدد الوحدات المختفية.
ويقدر الكاتب أن هذه الأسباب دفعت الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى إبداء “حسرته” على فترة حكم معمر القذافي، وذلك في مقابلة صحفية نشرتها مجلة “ذي اتلنتك” ، وهذا القلق الغربي مبرر حتما، لا سيما بعدما قرع التنظيم في ليبيا طبول الحرب، وحاول مسلحوه القادمون من هناك السيطرة على مدينة بن قردان التونسية، لتكون إمارته الجديدة في شمال إفريقيا وفزاعة حقيقية على ضفاف أوروبا.
اعترافات لا تأتي إلا بعد خراب مالطا !
أشار الكاتب العماني خميس التوبي في تعليق نشر اليوم الاثنين 14 مارس الجاري على موقع صحيفة “الوطن” يومية عمانية سياسية جامعة، تأسست في 28 يناير 1971-، إلى أنه قبل الرحيل ومغادرة المسرح السياسي العالمي بعد ولايتين رئاسيتين امتدتا لثماني سنوات، يدلي الرئيس الأمريكي، باراك أوباما إلى غرفة الاعتراف والإقرار بخطأ التدخل العسكري في ليبيا، مثلما فعل سلفه جورج بوش “الابن”، بعد أن دمر العراق وتركه خرابًا يبابًا، فأقر بأنه اعتمد على معلومات استخباراتية خاطئة لشن الحرب على العراق قائلًا : إن ذلك هو أشد ما يؤسفه خلال فترة رئاسته.
فأوباما، يوضح الكاتب، أشار بأصابع الاتهام إلى حليفيه “شارد الذهن” رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون و”الباحث عن الظهور” الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي ، فيما ألقى بوش “الصغير” بالمسؤولية على “سي آي إيه” في مقابلة له مع قناة (إيه. بي. سي) الأمريكية أنه لم يكن مستعدًّا للحرب عندما دخل البيت الأبيض، ولكن الذي دفعه إليها هو الاستخبارات.
وما يلاحظ أن سلسلة الاعترافات للغزاة الغربيين (الأمريكيين والأوروبيين) لا تأتي إلا بعد خراب مالطا ، كما يقال ، وقبيل الرحيل ومغادرة المنصب، إلا أن سياق المجاهرة بالجريمة، التي طبعًا تعد جريمة حرب ، لا يعني الاعتذار والرجوع عن الذنب، بقدر ما يعني أن شخص الرئيس والقائد والمسؤول مجرد منفذ لسياسات نظام استعماري يدَّعي القيم والمُثُل والمبادئ.
مخططات
وبغض النظر عن دواعي بدء أوباما فتح مذكراته والتمظهر بمظهر رجل السلام بهدف إعطاء الحمار قوة دفع في سباقه مع الفيل في ميدان السباق الانتخابي الرئاسي، إلا أنه يقدم دليلًا آخر، كما قدمه سلفه من قبل بوش “الصغير” على أن مخططات استهداف دول المنطقة يمكن أن “تبدأ بكذبة مثل كذبة أسلحة الدمار الشامل في العراق، وتلفيق الاتهام بنظام معمر القذافي، وأنه مثلما كان في العراق خائن بصفة “معارض” كأحمد الجلبي، والذين معه ساعدوا على تدميره، أيضًا كان في ليبيا خونة ساعدوا على ذلك بصفة “ثوار”، والحال ذاته ينطبق حاليًّا في سوريا، على حسب تعبيره.
وأضاف الكاتب أن الغرب عمل على تغييب وعي المواطن العربي واقتياده من السهولة بمكان، والواقع اليوم يصدق هذه الحقيقة، فالنهايات التي وصل إليها العراق وليبيا ويراد أن تصل إليها سوريا ومصر والجزائر وغيرها، بأيدي مواطنيها أو من يأخذون هويتها، وبدأت النهايات هذه بأكاذيب وفبركات واستغفال واستهبال وسذاجة.
واليوم تتقدم ليبيا مشهد “الحريق العربي” بتحولها إلى الصورة المختزلة المراد تعميمها في المنطقة، وبتحولها إلى خزان جديد للإرهاب، وأشار إلى أنه “في أحد أبرز التصريحات اللافتة لمحمود جبريل الثائر على نظام القذافي، لم يتحرج عن إعطاء الصورة التي يمكن أو تتجه إليها بلاده جراء الحريق العربي، حين قال بأن ليبيا تتحول إلى عراق أو صومال آخر، بينما وقف
رئيس المجلس الوطني الانتقالي السابق، مصطفى عبد الجليل متباهيًا على شاشات التلفزة بـ”النخوة العربية والكرم الحاتمي” لدولة خليجية بأنها موَّلت حرب “الثوار” بمليار ونصف المليار دولار، لينتقل لمرحلة متقدمة مع صديقيه وبانيي “ليبيا الجديدة” كاميرون و ساركوزي بإعلانه توزيع حصص تركة النفط الليبي عليهما وعلى إيطاليا”.
فوضى
وقال الكاتب إن ما وصفها بـ”الزهور والورود التي كان يحلم بها الثائران قد فتّحت “داعش والجبهة الإسلامية” وغيرها من الأذرع الخارجة من رحم تنظيم “القاعدة”، بعدما روتها طائرات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فلم يَفُحْ منها عبق الديمقراطية والحرية الأمريكية والأوروبية وحقوق الإنسان”.
واعتبر في تعليقه إن ليبيا غدت عراقًا ثانيًا أو صومالًا آخر أو أفغانستان جديدة، مبينا أن أصحاب “عبق الديمقراطية والحرية، ومبادئ حقوق الإنسان” لا يهمهم ما آلت أو ستؤول إليه، وإنما ما يهمهم هو أن بلدًا عربيًّا جديدًا طويت صحائفه، ليكتب له مصير آخر غير الذي كان، تفتح له فيه صحائف أخرى ومن بينها شهادة وفاة بعد النجاح في تحويله إلى بلد فاشل ضمن ما يسمى “مشروع الشرق الأوسط الكبير”، ما يسمح بالانتقال إلى البلد التالي.
وأشار إلى أن أوباما، في المقابلة التي نشرتها الخميس الماضي مجلة “ذي أتلنتك” ووصف خلالها كاميرون وساركوزي قائلا : إن “ليبيا غرقت في الفوضى”، مضيفًا: “عندما أتساءل لماذا ساءت الأمور، أدرك أني كنت أثق بأن الأوروبيين، بفعل قربهم من ليبيا، سيكونون أكثر انخراطًا في متابعة الوضع بعد التدخل”.
والإجابة المتاحة والممكنة لتساؤل أوباما هي أننا أمام مزاج سياسي أمريكي مختلف، تبدو فيه المعايير الفعلية تحت ضغط معادلات ناشئة بحكم الوضع الداخلي الأمريكي القائم وظروف السباق الانتخابي الرئاسي، ومحاولة نفض يد الإدارة الأمريكية الديمقراطية بقيادته من مسؤولية استشراء الفوضى الإرهابية في ليبيا وعموم المنطقة، وما حصل من استهداف للسفارة الأمريكية ومقتل السفير الأمريكي، وبالتالي لا يعني أننا أمام مراجعة أمريكية لمجمل التطورات الحاصلة في المنطقة والبدء في حلها، فليس هناك ما يشير إلى ذلك.
ولذلك، ما يلفت الانتباه أن أوباما وهو يطلق أوصافه على كاميرون وساركوزي، نسي أو تناسى، أو ربما لم يرد أن يعطي لنفسه وصفًا لكونه شريكًا في عملية “غزو” ليبيا، كما لم يعطِ جامعة الدول العربية أو الدول العربية الممولة لمشروع ما يسمى “الشرق الأوسط الكبير” عبر بوابة “الحريق العربي”، ولكن هذا لا ينفي قيمة التصريح الذي يضفي مزيدًا من الحقائق على أن ما سمي بـ”الربيع العربي” ليس سوى مؤامرة صهيونية أمريكية غربية، على حد قول الكاتب.
أطفال ليبيا ضحايا النزاع المسلح (2)
ذكرت الصحفية روعة قاسم في مقال نشر أول أمس 12 مارس 2016، بصحيفة القدس العربي – صحيفة يومية تهتم بالشأن السياسي والاقتصادي والجيوسياسي والثقافي، تأسست سنة 1989 – أن ممثل اليونيسيف في ليبيا غسان خليل اعتبر أن عدم الاستقرار السياسي والأمني في بلد عمر المختار، ينعكس بشكل كبير ومباشر على وضع الأطفال، وهذا يتجلى بالخصوص في الانقطاع عن الدراسة، فضلا عن النزوح من مناطق إلى أخرى، ما يسبب مشاكل للأطفال، على غرار المشاكل النفسية.
وأشار إلى تزايد حالات الخطف والتعذيب وقتل الأطفال، كما دعا الليبيين للتوصل إلى حل سياسي، يؤمن لهؤلاء الأطفال الاستقرار الأمني والعودة إلى الحياة الطبيعية من خلال الدراسة والأسرة والمجتمع المحلي.
قضية
وقال الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان فرع ليبيا، عبد المنعم الحر، إن الأطفال في ليبيا باتو يحملون السلاح علنا سواء في القتال بين “الميليشيات” أو حتى في الاحتفالات، وأكد أن هناك الكثير من الحوادث التي راح ضحيتها أطفال، وأن رؤيتهم في المناطق العسكرية بات أمرا طبيعيا، مشيرا إلى أن ” الأكثر إزعاجا أن بعض العائلات تجدهم سعداء وأطفالهم يستعملون السلاح ويطلقون النار به، وهم فخورون بتدمير طفولتهم.
وأضاف ” إن هؤلاء الأطفال زج بهم في معارك ضارية منذ بداية الحرب، وحتى الوقت الحالي تستخدم “الميليشيات” والعصابات شبابا دون سن الأحداث، وترمي بهم في مقدمة الصفوف القتالية، ويتم استغلالهم في تنظيف الأسلحة وحمل الخفيفة منها في الصراعات بين الأطراف المتنازعة.”
وقال الحر إنه رغم التقارير المحلية والدولية، إلا أن ظاهرة استخدام الأطفال والجدل الفقهي والحقوقي بخصوصها، ومساءلة مرتكبيها والمشجعين عليها، ما تزال تناقش في أوساط محدودة وضيقة من قبل خبراء وبعض نشطاء المنظمات الإنسانية، ولم تأخذ حيزا أوسع في وسائل الإعلام والثقافة والتعليم، وأوضح أن عمليات استغلال الأطفال تنحصر في العديد من المظاهر منها: التجنيد في النزاعات المسلحة، تجارة الأعضاء البشرية، الممارسات الجنسية، العمل اللامشروع، التفجيرات الإرهابية.
تجنيد
ولفت الحر إلى أنه خلال سنة 2015 تم توثيق العديد من الحالات، لقد كان نصيب الطفولة من عمليات الخطف الموثقة 11 حالة، أما من تم تجنيدهم من قبل تنظيمات إرهابية بمدينة سرت فعددهم قرابة 150، ولعل أكثر عمليات التجنيد شهرة، تبقى ما يعرف بقضية الطفل عبد المنعم ضويلة –الذي اختفى عن أهله في طرابلس، ثم أخبرهم أنه يتلقى تدريبا عسكريا في سرت مع تنظيم “الدولة“- وكانت نهاية حياته في إحدى العمليات الانتحارية، وأكد الحر على أنه، وأثناء النزاع المسلح في سنة 2014 في ما عرف بعملية ” فجر ليبيا” بالغرب الليبي، كان المقاتل بغض النظر عن عمره، يمنح مبلغا يوميا قدره 200 – 300 دينار ليبي.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن تقرير منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسيف، يعتبر بمثابة ناقوس الخطر، حيث ذكر أن 40% من أطفال ليبيا تعرضوا لانتهاكات عنيفة منذ 2011، وعدد 2017 ألف طفل في طرابلس وبنغازي وحدهما، ويحتاج هؤلاء لدعم نفسي واجتماعي.
بيئة
وأفاد الحر ” عندما يكون الأطفال وذووهم بلا تعليم، تكون إمكانية استغلالهم مرتفعة، ليس هذا فحسب، بل إن الأمية ستكون متفشية في صفوفهم، كلما استمر الصراع واحتدم النزاع، وحتى بعد انتهاء النزاعات، ستدوم تأثيراته طويلا، ولا سيما على الأطفال، فضلا عن تأثيراته على الأمومة والتربية بشكل عام.”
وأضاف أن الإغراء المادي يلعب دورا مهما، خصوصا في ظروف الفقر لجذب الأطفال في صفوف الإرهابيين، نظرا للحاجة وكذلك في طريقة الاستدراج العاطفي، حيث يتم تفخيخ العقول قبل تفخيخ السيارات والأماكن العامة والمدارس والشوارع والمحال التجارية.
وذكر أن التنظيمات الإرهابية في مدينة سرت –التي تستخدم الأطفال–، عملت على حذف وإلغاء الكثير من المناهج الدراسية، وركزت على التعليم الديني، وفي أغلب الجوانب الأكثر تطرفا من المذاهب الفقهية، إضافة إلى التدريب العسكري، وتبقى معالجة هذه الظاهرة بحاجة لتكاتف جهود المجتمع الليبي والدولة بالدرجة الأولى بغض النظر عن دعم المجتمع الدولي، فالمستوى المعيشي المتدني لبعض الأسر الليبية ورغبة الأسرة الفقيرة أيضا في الحصول على المال، بغض النظر عن نوع وخطورة العمل وظروفه، يشجع على انخراط الأطفال في الجماعات الإرهابية والانقطاع عن التعليم.
وأضاف قائلا:” وكذلك نقص وعي الأهل بأهمية التعليم، والجهل بالآثار السيئة لانضمام الأطفال إلى كتائب أمنية، قد تصل منحتهم الشهرية لما يقارب 2000 بالشهر والنقص في المدارس وضعف المنحة التعليمية لطلبة التعليم الجامعي والتسرب من التعليم الأساسي، تبقى جميعها دافعا للأسرة من أجل حصول أبنائها على دخل ثابت من هذه الميليشيات المتقاتلة.”
وعن أبرز تداعيات تجنيد الأطفال، أوضح الحر أن عدم النضج العقلي المدني بخطورة حمل الأطفال للسلاح بين أفراد المجتمع له تداعيات سلبية مستقبلا، فالجيل الأصغر سنا يقتدي بذلك الجيل الأكبر، لأنه يرى فيه القدوة التي يجب أن يكون عليها، وبهذا يعلم المجتمع بعضه البعض حمل السلاح والاتجار به، الأمر الذي سيترك مخلفات تزيد من زعزعة الأمن والاستقرار والتنمية.
المجلس الرئاسي يتمسك بحكومة الوحدة
تطرقت اليومية النمساوية الناطقة بالألمانية “كلاين تسايتونغ” في تقرير نشر الأحد 13 مارس الجاري، إلى موقف المجلس الرئاسي الليبي المدعوم من قبل الأمم المتحدة ويتخذ من تونس مقرا له من سير العملية السياسية في ليبيا، مبديا حرصه وتمسكه بحكومة الوحدة الوطنية.
وأوضحت اليومية النمساوية أن المجلس الرئاسي أكد أنه بصدد تسلم زمام الأمور في البلاد، وطالب المجتمع الدولي في هذا الخصوص بوقف أي تعامل مع الحكومتين المتنافستين في البلاد، داعيا في الوقت ذاته، كما دعا المؤسسات الليبية، إلى البدء في عملية نقل السلطة.
وأشارت صحيفة “كلاين تسايتونغ” إلى أن حكومة الوحدة الوطنية المدعومة من قبل الأمم المتحدة، لم تحظ بعد بأي تأييد برلماني رسمي، إلا إنها تقول إن حصولها على عريضة موقعة من جانب غالبية النواب يعطيها الحق في تسلم السلطة.
وأوضحت أن ليبيا خاضعة في الواقع إلى سلطة حكومتين متنافستين منذ عام 2014، عقب الإطاحة بنظام معمر القذافي في ثورة 2011، الأولى نالت الاعتراف الدولي وتسير الأعمال انطلاقا من مدينة طبرق شرق البلاد، وهي حكومة علمانية، بينما تتخذ الحكومة الثانية ذات الميولات الإسلامية من العاصمة طرابلس مقرا لها، وتتبع للمؤتمر الوطني العام، فيما تتبع الأولى برلمان طبرق.
وذكرت الصحيفة أن المجلس الرئاسي أكد في بيان أصدره السبت بأن وثيقة وقعها معظم أعضاء مجلس النواب في طبرق بتأييد حكومة الوحدة، علاوة على التزكية التي حظيت بها من جانب العديد من الشخصيات السياسية، تمثلان “ضوءا أخضر لبدء العمل.”
وأشارت إلى أن المجلس الرئاسي مكلف بتنظيم انتقال سياسي لإنهاء الفوضى والعنف الذي تعاني منه البلاد منذ الإطاحة بالقذافي، لكن يواجه المجلس معارضة قوية من قبل المتشددين في مجلس النواب – الذي يحظى باعتراف دولي – من جهة، ومن البرلمان المنافس في العاصمة طرابلس.
وبينت اليومية النمساوية أن الفراغ الأمني والسياسي في ليبيا قد ساعد تنظيم “الدولة” على تأسيس موطئ قدم له في البلاد، وتنفيذ هجمات استهدفت المدن والمنشآت النفطية، بالإضافة إلى تهديد دول الجوار، خاصة تونس ومصر وكذلك دول الاتحاد الأوروبي.
إيطاليا وتحديات المسار السياسي الليبي

ذكرت وزيرة الدفاع الإيطالية روبيرتا بينوتي في حوار أجراه معها اليوم 14 مارس 2016، الصحفي باولو فالنتينو، بالصحيفة الإيطالية إيل كورياري ديلا سيرا – صحيفة يومية تهتم بالشأن السياسي والاقتصادي والجيوسياسي والثقافي، أسسها أوجينيو توريلي فيولير في 5 مارس 1876، ويرأس تحريرها لوشيانو فونتانا – أن العقوبات المقترحة من قبل وزير الخارجية الإيطالي باولو جنتيلوني ونظيره الفرنسي جان مارك إيرولت ضد الفصائل الليبية –التي تضع عقبات تعترض تشكيل حكومة الوحدة، والبدء فورا بحوار لتحديد أنشطة الدعم–، ” تبدو الإشارة الصحيحة لرغبة واضحة بدعم مسار إعادة تنظيم سياسي في ليبيا.”
وأكدت أن إرسال بعثة إلى ليبيا من أجل المساهمة في تحقيق الاستقرار، ينبغي أن يكون في إطار الشرعية الدولية، وبناء على طلب الحكومة الليبية، فضلا عن موافقة البرلمان الإيطالي.
إجراءات
وحول الخطوات الضرورية التي ينبغي أن يتخذها المجتمع الدولي لدعم العملية السياسية في ليبيا، ذكرت وزيرة الدفاع الإيطالية أن:” العقوبات المقترحة من قبل وزير الخارجية باولو جنتيلوني ونظيره الفرنسي جان مارك إيرولت ضد الفصائل الليبية –التي تضع عقبات تعترض تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، والبدء فورا بحوار لتحديد أنشطة الدعم–، يبدو أنها الإشارة الصحيحة لرغبة واضحة بدعم مسار إعادة تنظيم سياسي في ليبيا.”
وعن الموقف الإيطالي بشأن إرسال بعثة بناء على طلب من حكومة ليبية، وفي نفس الوقت تحذير الأطراف الليبية من أن الوقت له حدود أيضا، كما أشار إلى ذلك في البندقية رئيس الحكومة ماتيو رينزي، وأوضحت بينوتي أنه كان من الصائب أن يؤكد رئيس الحكومة لليبيين أن الوقت محدود أمامهم بشأن العملية السياسية وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، من أجل توضيح خطورة الأمر، لا سيما وأن تنظيم “الدولة” ما يزال يستمر في التوسع، مستفيدا من حالة الفراغ في السلطة، مضيفة أن في نفس الوقت تؤكد إيطاليا على أن أي بعثة دولية محتملة لدعم الاستقرار في ليبيا، ينبغي أن تكون بناء على طلب الحكومة الليبية، وخلال يوم الثلاثاء وكجزء من المبادرات التي تقوم بها الحكومة الإيطالية لدعم الاستقرار في شمال إفريقيا، سيعقد في روما يوم مؤتمرا لقيادات عسكرية لأكثر من 30 دولة، فضلا عن منظمات مهتمة بمبادرات الدعم.
مشاركة
وعن إصرارها على استخدام مصطلح ” عمليات مفترضة” في الوقت الذي أعدت فيه الخطط بالفعل، أوضحت بينوتي أن ” الهيئات العامة لأركان الدفاع ينبغي دائما أن تفترض العديد من السيناريوهات، وأن تكون مستعدة لمختلف المهمات: التدريب وحماية الحكومة والمواقع الإستراتيجية وإرسال مستشارين عسكريين، وبناء على ذلك يتم تحديد الأعداد والأبعاد الضرورية، لكن بالنسبة لإيطاليا ما يزال كل شيء يخضع لثلاثة شروط، أي الشرعية الدولية، تشكيل حكومة وطلبها، وموافقة البرلمان الإيطالي.
وبشأن عدد العسكريين الإيطاليين الذين سيتم إرسالهم إلى ليبيا، ذكرت بينوتي أنه “لا يوجد إجابة محددة، لأن كل هذا يتوقف على نوع الدعم الذي سيطلب من التحالف الدولي، بحيث يكون طلب مجرد التدريب شيء، وإن شمل الطلب رصد مواقع حساسة وغيرها من الأنشطة أيضا فهذا شيء آخر“، مبينة أن ” حقيقة ارتفاع عدد الدول المستعدة للمساعدة الآن، سيعمل على تنويع مساعدتنا.”
قضية الهيئة الليبية للاستثمار إلى أين ؟

ذكر الصحفي بموقع مجلة جون أفريك الفرنسية الأسبوعية المهتمة بالشأن الإفريقي بنجامن بولي في تقرير نشر يوم 7 مارس الجاري بعنوان: “انطلاق قضية ليبيا ضد سوسيتي جينرال وغولدمان ساكس في لندن” أن القضيتين التي قدمتهما الهيئة الليبية للاستثمار ضد بنك سوسيتي جينرال الفرنسي وغولدمان ساكس الأمريكي – والتي تتهمها بالسطو على أصول مالية ليبية– انطلقت الاثنين الماضي في لندن.
وتطالب الهيئة الليبية الحكومية بتعويضات تصل إلى 2.5 مليار دولار على خلفية هذه التجاوزات.
وتعتبر الهيئة الليبية للاستثمار مؤسسة مالية أسسها نظام القذافي سنة 2007 للاستثمار في الأرباح الدولية للبلاد، وتعود أطوار القضية إلى سنة 2014، عندما توجهت الهيئة للقضاء البريطاني للشكوى ضد البنكين الفرنسي والأمريكي على خلفية بيعهما أصولا مالية “مسمومة”
وقدمت أوراق القضية إلى المحكمة البريطانية العليا في مارس 2014، حيث طالبت ليبيا بتعويض قدره 1.5 مليار دولار من البنك الفرنسي، بتهمة حصول الشركة على رشوة من أحد أبناء القذافي بتعلة تمكينه من استشارات، تصل قيمتها إلى 2.1 مليار دولار، حصلت عليها الشرطة سنة 2007.
كما قدمت السلطات الليبية قضية ضد بنك غولدمان ساكس الفرنسي الاستثماري في يناير 2014 في لندن أيضا بتهمة “استغلال نقص العنصر البشري في الهيئة لدفعها لاستثمار مليار دولار في مجالات غير مربحة“.
في المقابل تعتبر المؤسستان البنكيتان الغربيتان أن القضايا لا أساس لها من الصحة، ولا أدلة تدعمها.
صراع
وكانت مؤسسة “ديلويت” للتدقيق قد قدرت قيمة أصول المؤسسة الليبية الحكومية في سنة 2013 بـ67 مليار دولار، ما أسال لعاب الحكومتين المتنازعتين في طبرق وطرابلس، حيث يشكك مدير الهيئة في طرابلس عبد الحميد بالريش في شرعية رئاسة المعين على الهيئة من طبرق حسن بوهادي، حيث يؤكد بالريش أنه تولى هذا المنصب في سنة 2013، عندما كانت هناك حكومة شرعية وحيدة تسود ليبيا.
وقد اتفق كل من بوهادي وبالريش على تكليف مكتب بي دو أو البلجيكي ليكون متصرفا على الملفات الليبية محل النزاع، بهدف تسريع إجراءات القضية ضد غولدمان ساكس وسيوسيتي جينرال.
لكن القاضي البريطاني المتعهد بالقضية وليام بلير –وهو شقيق رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير– قد طلب مهلة لتحديد الطرف الحكومي الشرعي الممثل لمصالح الهيئة الليبية للاستثمار، ما يعني أن القضية لن تفصل في أجل قريب.
ويبقى المشكل الرئيسي انهيار الدولة
بين الكاتب سلوبودان ليكيك، في مقال صدر بتاريخ 11 مارس 2016 على موقع “ستارز أند ستريبس” –صحيفة أمريكية مختصة في الشؤون العسكرية، تأسست سنة 1861-، أن الهجوم هذا الأسبوع على بلدة حدودية تونسية من قبل مقاتلين لتنظيم “الدولة” في ليبيا ألقى الضوء على التهديد الذي يمثله التنظيم في منطقة شمال أفريقيا، من أجل إنشاء ملاذ آمن له قريبا من أوروبا.
وقال الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، نيك ويتني، إن هدف التنظيم هو إقامة قاعدة احتياطية له في ليبيا، بعد تعرضه للقصف المتزايد من قبل الولايات المتحدة وروسيا في سوريا والعراق، لكن الوجود القوي للتنظيم في ليبيا يمارس ضغوطات كبيرة على تونس، التي تعتبر قصة نجاح “الربيع العربي“.
تكرار
وصرح رئيس القيادة الأمريكية في أفريقيا الجنرال دايفيد رودريغز أمام لجنة في مجلس الشيوخ الأمريكي، أن التحديات مستمرة في ليبيا بسبب تنظيم “الدولة” وتهديداته لعدة بلدان مثل تونس، وأشار تقرير صادر عن منظمة “إنترناشيونال كرايزس غروب” إلى أن هجوم تنظيم “الدولة” على جنوب تونس فتح جبهة جديدة للصراع.
وبين الكاتب أن لمواجهة التهديد المتنامي في المنطقة، بدأ الجيش الأمريكي خلال الشهر الماضي يركز اهتمامه على ليبيا، وقد قصفت الطائرات الحربية الأمريكية معسكر تدريب جهادي في صبراتة، وهي بلدة قريبة من الحدود التونسية، ما أسفر عن مقتل حوالي 40 مقاتلا للتنظيم، وقد اعترف مسؤولون عسكريون أمريكيون بأن أعدادا صغيرة من قوات العمليات الخاصة تقوم بالتنسيق مع الجيش الليبي، وهناك أدلة على وجود قوات العمليات الخاصة الفرنسية والبريطانية في ليبيا أيضا، في الوقت نفسه، يبدو أن وزارة الدفاع الأمريكية تستعد للقيام بدور عسكري أكبر، حسب صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.
ويخشى بعض المحللين أنه دون تقدم في العملية السياسية، قد تؤدي عملية جوية كبرى في ليبيا إلى تكرار أخطاء حرب العراق، واعتبر ويتني أن تنظيم “الدولة” هو مجرد أحد الأعراض، وأن المشكل الرئيسي هو انهيار الدولة في ليبيا، كما كان الحال في سوريا قبل عامين، وبدلا من التركيز على الحل العسكري، ينبغي على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين العمل على حل المشاكل الداخلية في ليبيا، مشيرا إلى حملة قصف جديدة أو تدخل على الأرض، سيكون خطأ كبيرا من قبل الغرب.
مخاطر
وبين الكاتب أن إحراز تقدم في حل المشاكل السياسية في ليبيا كان بطيئا للغاية، ما يشكل خطرا متزايدا على تونس، فبعد خمس سنوات من الثورة، تواجه تونس تحديات اقتصادية بما في ذلك ارتفاع معدلات البطالة والاضطرابات الاجتماعية، وقد تسببت ثلاث هجمات إرهابية خلال العام الماضي في انهيار القطاع السياحي، ويقول الباحث لدى مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، كريم مزران إن لتونس الكثير من المشاكل النابعة من الداخل والتي تجعلها عرضة لتهديدات تنظيم “الدولة“.
ويبدو أن آثار الركود الاقتصادي كان أشد في المناطق القريبة من الحدود الليبية مثل مدينة بن قردان، ويقول مزران إن من المرجح أن يكون مقاتلو التنظيم تلقوا الدعم من قبل بعض السكان المحليين، مضيفا أن أغلب المقاتلين هم من التونسيين.
من جهته، قال المحلل ويتني إن قوات الأمن التونسية صدت بشكل جيد الهجوم، وأن إمدادهم بالمستشارين والمزيد من المعدات سيكون الخيار الأفضل لحملة جوية شاملة، وبالنسبة للقيادة الأمريكية في أفريقيا (افريكوم ) تهدف جهود التدريب لبناء قدرات القوات المسلحة التونسية في وقت تواجه فيه اضطرابات متنامية، وقال الجنرال رودريغز إن هذه الجهود تشمل مكافحة الإرهاب وتطوير القوة الجوية والمساعدة في مجال الاستخبارات والقدرات الأمنية، وأضاف : “نحن نساعد تونس أيضا في تركيب نظام مراقبة إلكترونية في المناطق الرئيسية على طول الحدود مع ليبيا من أجل المساعدة في وقف التدفق غير المشروع للبشر والأسلحة والتهريب“.
القوى الغربية وسوء فهم المأزق الليبي
اشار الكاتبان جاك مور ود. أمير كمال، في مقال صدر بتاريخ 11 مارس 2016 على موقع “نيوزويك” –مجلة أسبوعية أمريكية، تأسست سنة 1933- إلى أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما اعترف في مقابلة له مع صحيفة “ذي أتلانتيك” بالفشل في ليبيا، وركز على دور الأطراف الأخرى في التدخل، بريطانيا وفرنسا، باعتبار أن سبب فشل مرحلة ما بعد نظام معمر القذافي، سببها عدم نجاح هذه الأطراف في متابعة المرحلة.
وأشار أوباما إلى الوضع الداخلي في ليبيا وحجم الانقسامات الذي كان أكبر مما توقعه المحللون الأمريكيون، لكن الكاتبان اعتبرا أن الحديث عن هذه النقاط هو أكبر سوء فهم للمأزق الليبي، وبينا أنه ليس سرا، منذ تأسيس الدولة في ليبيا، وجود الانقسامات، والواقع أنه لطالما تم رفض الاعتراف بالتحالفات القبلية والإقليمية والإستراتيجية في ليبيا، سواء خلال فترة الإمبراطورية العثمانية أو الاحتلال الايطالي أو عهد الملك إدريس السنوسي أو في عهد معمر القذافي.
وخلال هذه المراحل المختلفة، عرفت البلاد اضطرابات مستمرة، واستطاع القذافي أن يسيطر على هذه الخلافات بقبضة من حديد، ولكن سقوطه أظهر التفاوت الكبير بين مختلف الجهات الليبية، وكشف الغطاء عن الفوضى التي تلته.
دور
وأبرز الكاتبان أن الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي كانا أداة لإثارة الاضطرابات الحالية، وقد تعرض أوباما إلى عدم قدرة قوات التحالف على مواصلة جهود التدريب التي انهارت بسرعة، والمشكل أن الهيكل الذي كان المفترض أن يتحمل مسؤوليتها لا وجود له، وفي هذه النقطة بالذات، يبدو أن أوباما نأى بنفسه عن جهود إعادة الأعمار، مشيرا إلى عدم اهتمام رئيس الوزراء البريطاني دافيد كامرون والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ما يبرز عدم الأهمية المعطاة لديناميكية المصالح السياسية المختلفة داخل المجتمع الليبي.
واعتبر الكاتبان أن أوباما ليس وحده في سوء الفهم هذا، فالمجتمع الدولي، تحت ستار “حكومة الوحدة الوطنية“، يلخص هذه النقطة، في الواقع، عندما كانت الأمم المتحدة تقترح حكومة وحدة وطنية، كان السياسيون في ليبيا يواصلون رفض “هذه الحكومة المفروضة من الخارج“، بما في ذلك الحكومتين المتنافستين، وكانت النتيجة ثلاث حكومات ليبية، لكل منهما أهداف مختلفة ومتضاربة، وسيكون من الحماقة تقريبا الاعتقاد بأن مثل هذه الظروف لم تكن جذابة لأمثال تنظيم “الدولة” لتأسيس موطئ قدم في البلاد.
وقد أضاف تهديد “الدولة” شروخا إلى الانقسامات والصراعات الداخلية بين المؤتمر الوطني العام في طرابلس ومجلس النواب في ليبيا وكل الأطراف الأخرى، وبين الكاتبان بأنه إذا لم يتم فهم تعقيدات المجتمع الليبي والسعي لإنهاء الصراع، سيبقى ذلك عائقا، بدلا من أن يكون حافزا لإحلال السلام في البلاد، ويأتي تنظيم “الدولة” على رأس قائمة المنظمات الإرهابية التي تستغل هذا الوضع.
الكاتب : جاك مور ود. أمير كمال، محاضر في الدراسات الدولي والأمن والدفاع لدى كلية كينغ بلندن
بريطانيا وجدل احتمال التدخل في ليبيا
ذكر الكاتبان باتريك وينتور وكريس ستيفن، في مقال صدر بتاريخ 13 مارس 2016 على موقع “ذي غارديان” –صحيفة يومية بريطانية، تأسست سنة 1821-، أن لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان البريطاني تعتزم مساءلة الحكومة البريطانية حول نيتها إرسال حوالي ألف جندي إلى ليبيا، في محاولة لتدريب الجيش الليبي من أجل مجابهة تنظيم “الدولة” هناك، وقال أعضاء بارزون في اللجنة في تونس الأسبوع الماضي إن تشكيل حكومة وحدة وطنية –الذي أعلن عنه يوم السبت– سيمهد الطريق لمؤتمر أوروبي حول التدخل العسكري يشارك فيه وزير الدفاع البريطاني، مايكل فالون.
وصرح أعضاء اللجنة أن الايطاليين سيوفرون 5000 جندي وبريطانيا 1000 جندي، إضافة إلى قوات فرنسية، وقد أصبحت الحكومة البريطانية تشعر بقلق متزايد حيال الفراغ العسكري في ليبيا، ما سمح لتنظيم الدولة باكتساب موطئ قدم له في مدينة سرت والتوغل أيضا داخل تونس، ولكن هناك قلقا داخل اللجنة من الردود الغامضة للحكومة البريطانية بشأن خططها حول ليبيا.
شكوك
وبين الكاتبان أن من المتوقع أن يطلب أعضاء اللجنة من رئيس الوزراء البريطاني دافيد كامرون الإدلاء بشهادته لعرض أدلة حول التحقيق المتعلق بليبيا، بعد أن صرح الرئيس الأمريكي باراك أوباما مؤخرا أن كامرون فشل في إيلاء الاهتمام الكافي لليبيا ما بعد القذافي، وقال أحد أعضاء اللجنة سيكون من الجيد الكشف عن أخطاء التدخل الأخير في ليبيا، قبل الموافقة على تدخل جديد.
ويعتقد بعض كبار أعضاء اللجنة أن وزير الخارجية فالون توبيان ألوود وكامرون سيتجنبان الحصول على إذن من البرلمان لإرسال قوات إلى ليبيا، ويرجع ذلك جزئيا إلى إمكانية رفض الطلب، وقد كتب ألوود الأسبوع الماضي إلى اللجنة قائلا : إنه لن يستطيع تقديم المزيد من التفاصيل حول الدور الذي ستلعبه الطائرات دون طيار، أو سلاح الجو الملكي في ليبيا، واعترف أن بعض الطائرات دون طيار قد حلقت فوق ليبيا.
واعتبر الكاتبان أن وضع الحكومة الليبية الجديدة مشكوك فيه، لأنه لم تتم المصادقة عليها في مجلس النواب في طبرق، فيما تم إصدار بيان بالمساندة بأغلبية البرلمان الليبي، وليس من الواضح، ما إذا كان يمكن الاعتراف بهذا التصويت من قبل الأمم المتحدة.
حظر
وقد دعا السفير البريطاني في ليبيا، بيتر ميلات، إلى رفع جزئي لحظر الأسلحة لتمكين القوات الموالية للحكومة الجديدة من محاربة تنظيم “الدولة“، قائلا لصحيفة مالطية : “سنكون سعداء بالنظر في الحصول على تنازل عن حظر الأسلحة، إذا جاء الطلب من حكومة الوحدة“.
ولكن لجنة الأمم المتحدة المسؤولة عن مراقبة الحظر بدت حذرة في تقرير صدر الأسبوع الماضي، مؤكدة أن هناك مخاطر من وقوع هذه الأسلحة في الأيدي الخاطئة، واعتبرت اللجنة ألا يجب رفع الحظر قبل الأوان.
ولفت الكاتب إلى أن داخل ليبيا، هناك بعض المعارضة للحكومة الجديدة، حيث أصدر عشرة من 40 عضوا في لجنة الحوار الليبي برئاسة الأمم المتحدة بيانا يطالبون فيه مجلس النواب في طبرق بالتصويت على الحكومة الجديدة، وقالت الناشطة والمحامية الليبية، هناء جلال، إن وجود حكومة وحدة وطنية بدعم دولي ودون أي مصداقية على الأرض، يعد بمثابة القشة الأخيرة أمام نهاية ليبيا واستقرارها.
وقد أصدرت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا بيانا مشتركا يوم الأحد معربين عن دعمهم الكامل للحكومة الجديدة، وأنها الحكومة الشرعية الوحيدة في ليبيا، وقد حثت القوى الخارجية حكومة الوحدة الوطنية على الانتقال من مقرها الحالي في تونس إلى العاصمة الليبية طرابلس، ومن المرجح أن يتم الاعتماد في تأمين العاصمة، إما على قوات أجنبية أو الاتفاق مع عدد من “الميليشيات” في طرابلس لتأمين الحكومة.
الكاتبان : باتريك وينتور وكريس ستيفن
المركز المغاربي للأبحاث حول ليبيا
تعريف:
تأسس المركز المغاربي للأبحاث حول ليبيا في جوان - يونيو 2015 في تونس، وهو أول مركز من نوعه يعمل بكل استقلالية من أجل تعميق المعرفة بليبيا في جميع المجالات والقطاعات، ويرفد بالمادة العلمية جهود المجتمع المدني في ليبيا لإقامة الحكم الرشيد، المبني على التعددية والتداول السلمي واحترام حقوق الإنسان . مؤسس المركز: الإعلامي والباحث التونسي رشيد خشانة يقوم المركز بنشر مقالات وأوراق بحثية بالعربية والأنكليزية والفرنسية، ويُقيم مؤتمرات وندوات علمية، وباكورة نشاطاته ندوة حول "إسهام المجتمع المدني في إعادة الاستقرار والانتقال الديمقراطي بليبيا" يومي 5 و6 أكتوبر 2015 بتونس العاصمة.
موقع "ليبيا الجديدة"
موقع إخباري وتحليلي يبث الأخبار السريعة والتقارير السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية عن ليبيا، ديدنُه حق المواطن في الإعلام، ورائدُه التحري والدقة، وضالتُه الحقيقة، وأفقهُ المغرب العربي الكبير. يتبنى الموقع أهداف ثورة 17 فبراير ومبادئها السامية ويسعى للمساهمة في بناء ليبيا الجديدة القائمة على الديمقراطية واحترام حقوق الانسان والحكم الرشيد.





