الإثنين 21 سبتمبر 2026 9 ربيع الآخر 1448

كل مقالات Farouk

“نيويورك تايمز” تنتقد فتح جبهة جديدة ضد “داعش” بليبيا

349 (17)يوما بعد يوم تتكشف التحضيرات الغربية للبدء في التدخل العسكري بليبيا، تحت ستار ما يعرف بالحرب على تنظيم الدولة الإسلامية” (داعش). وفي هذا الصدد، انتقدت افتتاحية لصحيفة نيويورك تايمزتخطيط إدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، لما اعتبرته فتح جبهة ثالثة جديدة في الحرب ضد داعش، معتبرة أن هذا التصعيد اللافت يتم التحضير له من دون أي نقاش جدي على مستوى الكونغرس لتقييم الإيجابيات ومخاطر الحملة العسكرية التي يتوقع أن تضم الضربات الجوية وهجمات (برية) لوحدات النخبة الأميركية، كما ورد في المقال.


التخطيط للتدخل العسكري يتم بينما تتخبط ليبيا في حالة من الفوضى السياسية، رغم جهود الأمم المتحدة لتشكيل حكومة وفاق وطني


وتطرقت الافتتاحية لحديث المسؤولين بالإدارة الأميركية عن إمكانية بدء الحملة العسكرية الأميركية بليبيا في غضون بضعة أسابيع، متوقعين الشروع في تنفيذها بمساندة بعض الحلفاء الأوروبيين، بينهم بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا. وأضافت الصحيفة أن التخطيط للتدخل العسكري يتم بينما تتخبط ليبيا في حالة من الفوضى السياسية، رغم جهود الأمم المتحدة لتشكيل حكومة وفاق وطني، التي رفض برلمان طبرق منحها الثقة أمس الإثنين، وأعطى رئيس المجلس الرئاسي الليبي، فائز السراج، مهلة 10 أيام لتقديم تشكيلة حكومية جديدة مصغرة.

ولفتت إلى أن هذه التطورات مقلقة جدا، على أساس أن تدخلا عسكريا جديدا بليبيا قد يمثل تطورا خطيرا لحرب يمكن أن تمتد بسهولة إلى باقي بلدان القارة الإفريقية. كما أوضحت أنه يتم التخطيط لها بينما تتورط أميركا بشكل أكبر على المستوى العسكري بسورية والعراق.

وعن مبررات التدخل العسكري الغربي بليبيا، لفتت الصحيفة إلى أن حالة الاحتقان والصراع السياسي بليبيا وفرت ثغرة لتنظيم الدولة الإسلاميةللبدء بنشر عناصره بدءا من عام 2014، مشيرة إلى أن التنظيم المتطرف أصبح يسيطر على مناطق بساحل مدينة سرت، الواقعة بين طرابلس وبنغازي، أكبر مدينتين بالبلاد.

وأضافت نيويورك تايمزأن المسؤولين العسكريين الأميركيين يشيرون إلى أن ضرب خلايا داعشبليبيا سيقيم حاجزا بين هذا التنظيم والمتعاطفين معه بشمال إفريقيا ومنطقة جنوب الصحراء. وقالت إن هذا الهدف يبدو معقولا، إلا أنه ينبغي على المسؤولين توفير ما يمكن أن يقنع بأنه أمر يمكن تحقيقه.

وأضافت أنه حتى في حال تمكنت وزارة الدفاع الأميركية وحلفاؤها من الشروع في شن ضربات جوية ناجحةضد تنظيم داعشبليبيا، فإنه ما زال غير واضح إن كان ذلك التدخل سيتم بموازاة نشر قوات عسكرية برية قادرة على حماية المناطق التي يتم طرد داعشمنها. ولفتت الصحيفة إلى أن هذا الأمر يدعو إلى الاعتقاد بأن الضربات الجوية الغربية ستكون مقدمة لنشر وحدات برية لجمع المعطيات الاستخباراتية وتوفير الدعم لقوى المعارضة، مثلما هو الحال بالعراق وسورية.

“ذي غارديان”: بريطانيا تنتظر الحكومة الليبية لحسم التدخل العسكري

349 (16)تستمر أجواء التحضيرات لتدخل عسكري أجنبي في ليبيا بذريعة محاربة إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية” (داعش)، على الرغم من إصرار أطراف المجلس الرئاسي الليبي على نفي أي توجه نحو طلب تدخل مماثل. في هذا السياق، كشفت صحيفة ذي غارديانالبريطانية، في تقرير مُطول، أمس الاثنين، أن لندن تنتظر تشكيل حكومة وفاق وطنية في ليبيا لتحسم قرارها لجهة المشاركة العسكرية المباشرة في ليبيا بغطاء شرعي“. وبحسب الصحيفة البريطانية، فإن واشنطن وباريس، تمارسان ضغوطاً كبيرة على الحلفاء للسير باتجاه التدخل العسكري المباشر في ليبيا تحت شعار الحملة العالمية ضد الإرهاب، وهو ما وافقت روما عليه رسمياً بعد مؤتمر باريس، الأسبوع الماضي. ولم تجزم مصادر الحكومة البريطانية، لـذي غارديان، عن الشكل الذي سيتخذه التدخل البريطاني إن حصل، بين انتشار برّي لقواتها أو الاقتصار على دور تدريب قوات ليبية محلية. كما لم تنفِ أو تؤكد أنباء إرسالها ألف مقاتل إلى البرّ الليبي. وقال وزير الدفاع الإيطالي، روبرتا بينوتي، الأسبوع الماضي، في مقابلات صحافية، إنّ بلاده تدرس موضوع التدخل العسكري لتحقيق الاستقرار في ليبيا.

وأوضح بينوتي، لصحيفة كورييري ديلا سيرا، أن القوى الغربية ستتدخل فقط إذا طلب منها بشكل رسمي من السلطات الليبية.

ومن العقبات التي تقف في وجه مشروع التدخل العسكري، أنّه لا يوجد في الوقت الحالي، أي دعم أفريقي في مساندة التحالف الغربي، وهو ما من شأنه أن يزيد من الصعوبات التي تقف في وجه مشاركة محتملة لبريطانيا في الحملة، بناءً على سوابق التدخل البريطاني في سورية، الذي عانت حكومة دايفيد كاميرون في تأمين غطاء برلماني بريطاني له.

وتفيد تقارير بوجود ما يقارب 3000 عنصر من داعش، في ليبيا، ينشطون ويتوسعون بفضل الفوضى السياسية في البلاد.

وجاء تصريح وزير الدفاع الفرنسي، جان إيف لودريان، أخيراً، عن أن داعشصار على بعد 200 ميل عن شواطئ جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، ليزيد من احتمالات أن يكون التدخل العسكري الأجنبي في ليبيا قريباً، بطلب رسمي من حكومة ليبية معترف بها وإجازة من مجلس الأمن الدولي، وهو ما لا يزال مستحيلاً بفعل فشل الأطراف الليبية على إنجاز حكومة برئاسة فائز السراج.

استعدادات التدخل بليبيا قبل الربيع… وفابيوس ينفي مشاركة فرنسا

349 (15)

تتسارع وتيرة التسخين لتدخل عسكري محتمل في ليبيا على وقع انعقاد مؤتمر دولي بحضور 23 دولة، في العاصمة الإيطالية روما، يوم الثلاثاء، بغرض مناقشة ملف تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في ليبيا، في ظلّ تزايد تحليلات الصحف الغربية، الفرنسية والبريطانية تحديداً، حول التدخّل العسكري الغربي الوشيك في هذا البلد. ووصل الحال ببعضها إلى حدّ وضع الخطط العملانية على الأرض. وسط هذا كلّه، بدا غريباًموقف وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، الذي نفى وجود أي نية لفرنسا بالتدخّل عسكرياً، علماً بأن الفرنسيين يُعدّون من الأطراف الأساسية في الدفع قدماً نحو مثل هذا الخيار.


ونفى فابيوس أي نية لفرنسا بالتدخل عسكرياً في ليبياعلى حد تعبيره. وقال فابيوس للصحافيين على هامش اجتماع روما إنه من غير الوارد إطلاقاً أن نتدخّل عسكرياً في ليبيا“. وأضاف أنه لا يعرف مصدر هذه المعلومات، مشيراً إلى أن مجموعة صغيرة تمارس ضغوطاً في هذا الاتجاه، لكنه ليس موقف الحكومة“. وأثارت تصريحات فابيوس الكثير من الاستغراب لتناقضها الكلّي مع معلومات متطابقة، تؤكد استعداد فرنسا للتدخل العسكري إلى جانب الولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى، على رأسها إيطاليا، في ليبيا ضد داعش“.


حضر مؤتمر روما أمس 23 دولة عاملة ضد داعش

وحضر وزير الخارجية الأميركي جون كيري مؤتمر روما، وقال إن آخر شيء يريده أي شخص، هو خلافة كاذبة مع الحصول على مليارات الدولارات من عائدات النفط“. وأضاف كيري أنه ينبغي على الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين والعرب، زيادة التدريب الأمني ومساعدة الجيش الليبي ليس فقط لتطهير الأرض، ولكن لخلق بيئة آمنة تستطيع أن تعمل بها الحكومة.” ويبدو من حديث الوزير الأميركي، أن مؤتمر روما يهدف إلى تأمين الظهير البري، أو الحليف الميداني، المتمثل بحكومة الوحدة الوطنية الليبية، التي يتوقع البعض أن تطلب المساعدة الغربية لضرب داعشبذريعة عجزها عن مواجهة تمدده. لكن العقبة الأبرز تبقى عدم قدرة فائز السراج حتى الآن على تشكيل حكومة جديدة تنال موافقة المؤتمر الوطني في طرابلس، وبرلمان طبرق


وسبق لإيطاليا التي تقع أراضيها الجنوبية على بعد أقل من 483 كيلومتراً من ليبيا، أن أوضحت أنها ستشارك في بعثة مخولة من الأمم المتحدة لحفظ السلام أو الاستقرار“. كما قامت السلطات هناك بنقل طائرات إلى قاعدة في صقلية، لكن إيطاليا تصرّ على أن أي عمل يتطلّب أولاً وجود حكومة ليبية مستقرة ومساعدة دولية أخرى. وقالت وزيرة الدفاع روبرتا بينوتي، لصحيفة كورييري ديلا سيراالإيطالية الأسبوع الماضي، إنه لا يمكننا تخيّل مرور الربيع مع استمرار تعثر الوضع في ليبيا“.

من جهتها، أفردت الصحف الفرنسية الصادرة أمس حيّزاً مهماً لما وصفته بـالاستعدادات الغربية لتدخل عسكري وشيك في ليبيا ضد داعش، بعدما بات هذا الأخير يسيطر على مدينة سرت الساحلية ومحيطها“. وذكرت صحيفة لو فيغاروأنه في باريس يسود الاعتقاد بقوة بضرورة التدخل العسكري في ليبيا وتوجيه ضربة قاضية ضد داعش في غضون الأشهر الستة المقبلة، واعتبرت أنه من الأفضل القيام بذلك قبل حلول فصل الربيع“.

كما كشفت الصحيفة أن وزير الدفاع جان إيف لودريان، الذي يجعل من الوضع الليبي ضمن أولوياته الأساسية، أبلغ في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، الرئاسة الفرنسية بأنه بناءً على معلومات استخباراتية تشادية، رصدت الطلعات الاستكشافية التي تقوم بها الطائرات الفرنسية في سماء ليبيا، معسكرات تدريب لداعش، على بعد 250 كيلومتراً من العاصمة طرابلس“.

وأضافت أن هذه المعسكرات تأوي حزمة من (الجهاديين) الفرنسيين، الذين يتدرّبون على السلاح وفنون القتال“. وذكرت الصحيفة أن تنظيم داعش في مدينة سرت، تعزّز بمئات المقاتلين الذي قدموا من سورية والعراق، وأيضاً من اليمن والسودان. وهذا ما جعل لودريان يدق ناقوس الخطر، عندما حذّر يوم الأحد الماضي من أن مقاتلي داعش على بعد نحو 320 كيلومتراً فقط من السواحل الإيطالية“.

وأفادت الصحيفة المقرّبة من الأوساط اليمينية المحافظة، بأن لودريان يحثّ منذ أسابيع عدة نظرائه الأميركيين والأوروبيين على تسريع التحضيرات للتدخل العسكري، وأنه حصل على دعم السلطات التونسية للتدخل الغربي. وهو يقوم بمحاولات لإقناع مصر والجزائر، اللتين لا مصلحة لهما أيضاً في تواجد داعش على مقربة من حدودهما“.

وخلصت الصحيفة إلى أنه إذا كان التدخل العسكري مسألة وقت فقط في انتظار حكومة وحدة وطنية ليبية، فإن الغموض ما يزال يلف طبيعة وحجم هذا التدخل، وإن كان من الواضح أن الغارات الجوية وحدها لن تكفي. ولا بد من إرسال قوات على الأرض للقضاء على التنظيم الجهادي“.


لو موند: مصراتة ستكون لا محالة مسرح التدخل العسكري الجوي وربما البري الوشيك

صحيفة لو موندبدورها خصصت غلافها للموضوع الليبي، ونشرت تحقيقاً مطولاً لموفدها الخاص إلى ليبيا فريديريك بوبان، الذي تجوّل في ضواحي مدينة مصراتة، ونقل أجواء بلدة باغلة، حيث تتمركز قوات اللواء 166 التابع لتنظيم فجر ليبيا، الذي يسيطر على المدينة في مواجهة عناصر داعشالمتواجدين في سرت، التي تبعد حوالي 80 كيلومتراً عن باغلةواختارت لو موندإرسال موفدها الخاص للتحقيق في هذه المنطقة بالذات بين سرت ومصراتة، لاعتقادها بأنها ستكون لا محالة مسرح التدخل العسكري الجوي وربما البري الوشيك“.

واعتبرت الصحيفة أن مصراتة ستكون المدينة المفتاح في الحرب ضد داعش، وأن الاستعدادات لمواكبة التدخل العسكري الغربي جارية على قدم وساق بالتنسيق مع قيادة الجيش في طرابلس“. ونقلت الصحيفة عن ابراهيم بيت المال، المتحدث باسم مجلس مصراتة العسكري، قوله إن هناك اتصالات بين المجلس والأسرة الدولية، وإن هناك خططاً تشمل غارات جوية وتحرّكاً بريّاً لاستعادة سرت من أيدي داعش“. وهذا ما يعطي المصداقية، وفقاً للصحيفة، لـالشائعات التي تحدثت في الآونة الأخيرة عن وجود عشرات الأفراد من القوات الخاصة البريطانية والأميركية في مصراتة وضواحيها، يحضّرون للتدخل العسكري“. وأوردت الصحيفة أن عدد عناصر داعش يبلغ حوالي 3 آلاف مقاتل، 70 في المائة منهم أجانب“.

وفي بريطانيا، كشفت صحيفة ذا غارديانالبريطانية، في تقرير مطوّل، أن لندن تنتظر تشكيل حكومة وفاق وطني في ليبيا لتحسم قرارها لجهة المشاركة العسكرية المباشرة في ليبيا بغطاء شرعي“. وبحسب الصحيفة، تمارس واشنطن وباريس، ضغوطاً كبيرة على الحلفاء للسير باتجاه التدخل العسكري المباشر في ليبيا تحت شعار الحملة العالمية ضد الإرهاب، وهو ما وافقت روما عليه رسمياً بعد مؤتمر باريس الأسبوع الماضي. ولم تجزم مصادر الحكومة البريطانية لـذا غارديانعن الشكل الذي سيتخذه تدخل بريطانيا إن حصل، بين انتشار بري لقواتها أو الاقتصار على دور تدريب قوات ليبية محلية. ولم تنفِ أو تؤكد أنباء إرسالها ألف مقاتل إلى البر الليبي.

تقرير: داعش تخطّط للسيطرة على تونس انطلاقًا من ليبيا

11225155_10208213530125786_2967088365626816693_n-copie

كشفت منظمة العدل والتنمية إحدى المنظمات الإقليميّة لدراسات التنظيمات الإرهابيّة عن وجود مخطّط لداعش للسيطرة على دول شمال إفريقيا وعلى رأسها الجزائر وتونس والمغرب عبر ليبيا، وعبر تأسيسه لولايات “إسلاميّة” بدول الساحل الإفريقي والقرن الإفريقي لتطويق شمال إفريقيا بكماشة، ومن كافة الاتجاهات، لاستخدامها كقواعد عسكريّة للجهاديين من أجل احتلال دول أوروبا.

و أشارت المنظمة إلى أنّ داعش يريد الانتقال إلى الحرب البحريّة للوصول إلى أوروبا عن طريق السيطرة على الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسّط لتحقيق طموحاته الرامية إلى فتح أوروبا والسيطرة على جبل طارق المتنازع عليه بين بريطانيا وإسبانيا وتأسيس أسطول بحري للتنظيم لغزو أوروبا وخاصة فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والسيطرة على ليبيا التي تعاني من انعدام الأمن؛ ما يسهل تمدد تلك التنظيمات.

كما أكّدت المنظمة ذاتها أنّ داعش يعمل على السيطرة على دول القرن الإفريقي وتشمل الصومال وجيبوتى وإريتريا وكينيا وأثيوبيا لتأسيس “ولاية القرن الإفريقي الإسلامية” للتحكّم في مضيق باب المندب والبحر الأحمر بعد انحسار نفوذ التنظيم داخل العراق وسوريا، مضيفة في التقرير أنّ داعش يخطط للسيطرة على دول تشاد، مالي، النيجر، موريتانيا، بوركينا فاسو لتأسيس” إمارة الساحل الإسلامية” ونقل الجهاديين من تلك الدول إلى ليبيا التي تتحول قريبًا إلى عاصمة جديدة للتنظيم داخل إفريقيا رغم تنامي نفوذ القاعدة بتلك الدول .

ورغم أنّ تنظيم القاعدة يخطط لإعلان ولاية القرن الإفريقي الإسلامية، وولاية السودان والحبشة والصومال بعد انضمام بوكو حرام النيجيرية للقاعدة، إضافة إلى مساعي الظواهري لضم كافة التنظيمات التكفيريّة بإفريقيا ومنها التوحيد والجهاد وحركة الشباب الصومالية لصفوف القاعدة لتوسيع نفوذ التنظيم داخل إريتريا وإثيوبيا وساحل العاج وجيبوتي، إلا أن تلك الدول باتت المحطة القادمة لتنظيم داعش ، ورغم الخلافات بين القاعدة و داعش إلا أن إفريقيا توّحد كافة التنظيمات الجهادية تحت راية مشتركة تعمل على قتال الدول الأوروبية التي تنشر قوات بتلك الدول وعلى رأسها فرنسا، في ظل سهولة ضم الأفارقة للقتال في صفوف تلك التنظيمات نظرا إلى ارتفاع نسبة الفقر والتهميش في هذه البلدان.

كوبلر : حكومة التوافق الليبي يجب أن تنصب في طرابلس

44_118 (1)
دعا الممثل الخاص للأمين العام الأممي في ليبيا, مارتن كوبلر, الإثنين , إلى ضرورة الإسراع في تنصيب حكومة التوافق الوطني في ليبيا , وأن تكون طرابلس هي المقر الرئيسي لهذه الحكومة وليس أي مكان آخر في ليبيا.

وقال كوبلر على هامش زيارته إلى الجزائر ولقائه وزير الشؤون المغاربية و الإتحاد الافريقي و جامعة الدول العربية عبد القادر مساهل: ” إن تنصيب حكومة التوافق الوطني في العاصمة طرابلس سيعزز من موقف الوزير الأول و مسار الحل السياسي كما يخدم مصالح الشعب الليبي التواق للأمن والإستقرار“.

وأضاف : ” ليبيا تعاني من فراغ سياسي وعسكري خطير , و بالمقابل تشهد  تمدد نفوذ وسلطة داعش في البلاد , الأمر الذي يستدعي التعجيل بتشكيل حكومة التوافق الوطني من أجل التقدم أكثر في مسألة الأزمة الأمنية “.

وبخصوص الدور الجزائري في حل الأزمة الليبية , أكد  كوبلر انه يجب تسجيل تقدم بدعم من المجتمع الدولي خاصة الجزائر للتوصل الى تسوية الأزمة الليبية.

بدوره , جدد وزير الشؤون المغاربية و الإتحاد الافريقي و جامعة الدول العربية عبد القادر مساهل , دعوة الجزائر للفرقاء الليبيين من أجل الإسراع في تشكيل حكومة التوافق الوطني , مؤكدا بأن الجزائر  تنتظر بشغف كبير لحظة  تشكيل الحكومة الليبية ويكون مقرها العاصمة طرابلس 

يوميات الفوضى في ليبيا (5 من 5): {الشرق الأوسط} ترصد مواقع تخزين «غاز السارين» لدى ميليشيات ليبيا

1454169912571077600

النصيب الأكبر يذهب لـ«داعش» * فرقة أميركية تعثر على عبوات سلاح كيماوي بمنطقة جامع بورقيبة وداخل مجارير مجمع النخلات

عامل النظافة الليبي، جبريل، البالغ من العمر 52 عاما، هو أول من وقعت عيناه على هذه السيارات الثلاث الغريبة.. غريبة لأن الرجال الخمسة الذين نزلوا منها في غبش الظلام، مثيرون للريبة. يرتدون على رؤوسهم أقنعة واقية من الغازات السامة، ويبدو أن لديهم جرأة كبيرة ولا يخشون أحدا في طرابلس المكدسة بالميليشيات المسلحة.

ومن وراء الضباب، في ساعات الفجر الأولى، قرب مجمع تحت الأرض مخصص لمجارير الصرف الصحي، ويعرف باسم مجمع النخلات، بمنطقة باب الحرية، بدأ جبريل يشير لزملائه الذين كانوا ينقلون أكياس القمامة إلى شاحنة البلدية في الزقاق الخلفي، وأمرهم بإشارات من يديه أن يتوقفوا وأن يلتزموا الصمت، بينما أخذ يتراجع خطوات إلى الوراء حتى اختبأ وراء الزاوية وأخذ يراقب ما يجري.

يبدو على السيارات الثلاث أنها مصفحة ومزودة بإمكانيات تقنية كبيرة. السيارة التي في الوسط لها باب خلفي مفتوح وتبدو من هناك أجهزة وأسلاك مربوطة بلوحة إلكترونية مضيئة. واتضح أن السيارتين الأخريين مخصصتان للحراسة، أو هذا ما فهمه جبريل، وهو يروي ما حدث للمحققين.

أحد الرجال الذين يرتدون الأقنعة الواقية، أتى بعتلة وبدأ مع اثنين آخرين في نزع الباب الإسمنتي الذي يغطي فوهة مجمع المجارير. واتصل عمال النظافة بنقطة أمنية تابعة لمنطقة النخلات، وبعد ساعات استيقظ قادة الميليشيات التي تحكم طرابلس على بلاغات من رجالهم بأن الأميركيين يفتشون في العاصمة عن غاز السارين القاتل.

ومنذ رحيل نظام معمر القذافي في خريف عام 2011، استولت كثير من الميليشيات المتطرفة على مخزون الدولة من غاز السارين الذي يستخدم في الحروب وهو غاز فتاك، مدمر وقاتل، ومحرم دوليا.

ورغم قول الأمم المتحدة في عام 2012 إنها أنهت مشكلة بقايا مخزون الغازات السامة، التي كانت موجودة في منطقة الجفرة في وسط البلاد، بالتعاون مع الحكومة الليبية في ذلك الوقت، إلا أن قادة من النظام الليبي السابق، كشفوا في الأعوام التالية عن وصول المتطرفين إلى بقايا أخرى كانت مخزنة في عدة مناطق متفرقة من البلاد.

وفي جولة أخيرة لـ«الشرق الأوسط» في عدة مناطق في ليبيا، أدلت مصادر أمنية وأخرى مقربة من قادة المتطرفين، بمعلومات عن الأماكن المحتملة لوجود غاز السارين في هذا البلد الصحراوي شاسع المساحة، وقدمت أيضًا تفاصيل عن بعض القيادات التي تمتلك بالفعل براميل تحتوي على غاز السارين في طرابلس، بمن فيهم قيادات في تنظيم داعش، وصفقات بيع وشراء لهذا الغاز، مشيرة إلى أنه، منذ الأيام الأخيرة من الشهر الماضي والأيام الأولى من هذا الشهر، أصبح هناك تنافس محموم بين الجانب الأميركي والجانب الروسي للوصول إلى أماكن غاز السارين في ليبيا.

واقعة عامل النظافة جبريل جرت في منتصف الشهر الحالي. وبعد نحو عشرين دقيقة من إبلاغه عن الرجال المقنعين، وصلت دورية تابعة للبلدية وجاء اثنان من رجال الأمن من نقطة النخلات، ثم جاءت سيارات تابعة لجهاز المخابرات الليبي الذي يدير الأمور في طرابلس، وهو جهاز ضعيف الإمكانيات أمام سطوة قوات الميليشيات في العاصمة. ارتفعت الأصوات، وبدأ الزعيق باللغة الإنجليزية واللغة العربية، بينما كان الباب الإسمنتي الكبير لمجمع المجارير مفتوحًا في الأرض.

وتبين وجود دليلين ليبيين مع العناصر الأميركية، ولكي يثبت هؤلاء صدق ما يتحدثون عنه بشأن مهمتهم والجهات التي تنسق معهم في طرابلس حول موضوع الغاز، قام أحدهم بالاتصال بقيادي ليبي في العاصمة. أيقظه من النوم وتحدث بدوره مع رجال المخابرات. وبعد ساعة ساد الهدوء والتفت عناصر من جهاز المخابرات الليبية، حول الأميركيين وأجهزة رصد غاز السارين التي معهم. نزل اثنان من الأميركيين المقنعين داخل فوهة المجارير، وخرج بأول عبوة من غاز السارين.

ووفقًا لأوراق تحقيقات حول هذا الموضوع ومصادر أمنية في طرابلس، فقد ذكر الأميركيون، وهم يشربون الشاي مع أحد قيادات المخابرات في العاصمة، أن كمية الغاز في العبوات التي عثروا عليها في مجمع مجارير الصرف في منطقة النخلات، كانت كفيلة بالقضاء على المنطقة كلها بمن فيها من سكان. وتبين أيضًا أن جهاز مخابرات طرابلس لم يكن على علم بقصة وجود الفرقة الأميركية المختصة بالبحث عن الغاز السام.

وأمضى الأميركيون نصف ما تبقى من النهار في شرح أهمية ما يقومون به، وأنه لا علاقة لهم بأي ترتيبات أمنية أو سياسية في العاصمة، وليس من مهامهم ملاحقة الشخصيات التي تحوم حولها شبهات التورط في أعمال إرهابية. وقبل أن يغادر مع زملائه لمواصلة البحث عن «أي آثار لأسلحة كيماوية»، قال أحد العناصر الأميركية وهو يضع القناع تحت إبطه: اطمئنوا لكن ابتعدوا عن الموضوع، لأنه خطير، ويحتاج إلى الهدوء في التعامل معه.

وعلى خلاف المعاملات الوحشية التي تقوم بها عناصر الميليشيات ضد الخصوم، تحظى الفرق الأميركية الصغيرة التي وصلت إلى طرابلس خلال الأسابيع الأخيرة، بمعاملة خاصة «واحترام كبير» وهي تنتشر ويزيد عددها بمرور الأيام في عدة مواقع، انطلاقًا من منطقة جنزور ومجمع الفروسية ومنطقة بدر. ويقول أحد القيادات الليبية معلقًا في تهكم «البلد بلدهم».

ويقول قيادي آخر مطلوب القبض عليه من عدة دول أوروبية لاتهامات تخص ضلوعه في منظمة لتهريب المهاجرين غير الشرعيين عبر البحر المتوسط: «أنام وكأني في واشنطن. كلما سمعت حركة أقول ستأتي القوات وتقبض علي. أقصد طبعًا قوات أميركية». بيد أن الفرقة الأميركية التي عثرت على عبوات السارين قرب منطقة النخلات، تتحرك وهي ملتزمة بما تفعل، على ما يبدو، أي البحث عن الغاز لا أكثر. أو كما أفاد مصدر أمني ليبي: «قالوا لا علاقة لنا بالأشخاص».

بعد ليلتين من الحديث عن الأميركيين، ونياتهم، رن جرس الهاتف تحت الوسادة. ماذا؟ لقد توقفت الفرقة الأميركية أمام جامع بورقيبة الذي يقع في وسط العاصمة. الأجهزة رصدت شيئا ما هناك. وبحسب ما توفر من تفاصيل عن هذه العملية، فقد اكتشفت الفرقة كمية ثانية من غاز السارين من خلال آثار لتسرب للغاز في محطة جامع بورقيبة، لكنهم لم يعثروا على الكمية كلها. عثروا على بعض العبوات، إلا أن المكان يبدو أنه كان يحتوي على عبوات أكثر، وللأسف لم تعد موجودة.

في أحد المعاقل المؤمنة التي يلتقي فيها زعماء الميليشيات في الضاحية الجنوبية من العاصمة، قرب طريق المطار الطويل، أي مطار طرابلس المحترق، دار نقاش بين قيادي في الجماعة الليبية المقاتلة وزميل له من زعماء جماعة الإخوان المسلمين في المدينة، حول موضوع الأميركيين. الأول يلقب بـ«أبو حازم»، والإخواني الذي يعمل تحت ستار مجموعة سياسية يسمونه «سي الحاج محمد». جرى اللقاء منذ نحو عشرة أيام، أي عقب واقعة الغاز في باب الحرية وجامع بورقيبة.

قال أبو حازم: «توجد تحركات غير طيبة تقوم بها فرقة أميركية في طرابلس، وقيل إن هذه الفرقة اكتشفت غاز السارين وسط طرابلس، وإنها تستهدف قيادات من المؤتمر الوطني (أي البرلمان المنتهية ولايته) والثوار». فرد «سي الحاج»: «سمعت شيئًا مثل هذا، وتواصلت مع علي (شخص غير معروف لكن يبدو أن له اتصالات مع الجانب الأميركي)، وقال إن الأميركيين لديهم معلومات مؤكدة عن أسلحة كيماوية في طرابلس».

وتابع أبو حازم وكأنه يريد أن يدخل الطمأنينة على صاحبه في ليالي طرابلس المشحونة بالتربص والمؤامرات والخوف من المستقبل: «يا حاج لا تقلق.. الفرقة فرقة فنية لاكتشاف الأسلحة، وليس لها أي عمليات موجهة ضد أشخاص بعينهم، كما أن علي (الشخص المجهول المشار إليه) تواصل مع وزارة الدفاع الأميركية، وأكدوا له أن الغاية السلاح الكيماوي وليس الأشخاص. وقالوا له أيضًا إن الروس يريدون التدخل فسبقوهم، فقط ليس إلا».

ومن بين المقابلات التي جرت على عجل في العاصمة الليبية، فإنه توجد مؤشرات على أن بعض قيادات طرابلس تعمل مع الجانب الأميركي في مسألة تعقب غاز السارين وأي غازات حربية كيماوية أخرى، بينما توجد قيادات في منطقة الزنتان، تتواصل مع الجانب الروسي حول نفس الموضوع. الأجواء مشحونة بالغضب فيما يخص من يتواصل مع من في قضية الغاز، ومن يقدم تقارير عن من، ولأي جهة. الأميركان أم الروس. وتتهم قيادات في طرابلس أطرافا في الزنتان بأنها تقدم معلومات للروس تقول فيها إن فلانًا (قائد ميليشيا في طرابلس) جرب إطلاق قذائف من غاز السارين في منطقة صحراوية في الشهور الماضية.

ومع ذلك لم يظهر الروس في طرابلس. وعلى العكس.. زاد عدد الأميركيين. وفي الأسبوع الماضي حطت طائرة أميركية خاصة في مطار امعيتيقة الواقع قرب البحر من الناحية الشرقية من العاصمة، وعلى متنها 18 عنصرا أميركيا. ويقول مصدر أمني ليبي: «نعم.. نزلت بهم طائرة خاصة. أبلغنا بذلك مكتبنا في المطار. الطائرة قادمة بمعدات ومعها غرفة فنية متكاملة وأجهزة كشف متفجرات وإشعاعات. ودخلت هذه المعدات والتي كان معها صناديق خشبية، في مبنى بعيد عن مهبط الطائرات.. (صناديق خشبية بنية اللون مربوطة بشرائط معدنية)».

وفي المقابل يعمل قادة في الميليشيات على نقل الغاز الذي يبدو أنه تحت أيديهم من مكان إلى آخر. وبعض هذه الكميات تعرضت للسرقة، وأخرى للبيع لتنظيم داعش. والمشكلة تكمن في أن الكثير من العبوات بدأت تتآكل بسبب الصدأ، وتشكل خطورة خاصة في عمليات النقل. ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت بغاز السارين في منطقتي طرابلس وغريان (غرب العاصمة)، وفقًا للتحقيقات التي تقوم بها أجهزة أمنية تعمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، رجل يدعى رشد، من تنظيم «جند الحق» المتشدد، الذي يعرف أيضًا باسم تنظيم «جيل التوحيد».

ويعتقد أنه كان تحت يد رشيد كميات من الغاز الذي يطلق عليه أحيانا، في حديثه مع أعضاء التنظيم اسم «بضاعة الرابطة»، ويقول أحد المحققين إنه قام بنقل كمية بالفعل من غاز السارين الذي يسميه «بضاعة الرابطة» وأرسله إلى تنظيم داعش في سرت، بينما تعرضت كمية أخرى من الغاز، يطلق عليها «بضاعة قطيسة»، للسرقة من مخزن اسمه «الخزان»، ويقع في سوق الخميس بالعاصمة. وجلب رشيد الكمية الأخيرة التي اختفت، من مخزن في منطقة قطيسة التي تقع شمال غريان.

وعلى خلفية إرسال «بضاعة الرابطة» لدواعش سرت، وسرقة «بضاعة قطيسة» في طرابلس، نشبت خلافات بين قيادات من جماعة جند الحق وبعضهم بعضا، وخلافات أخرى بين هذه الجماعة وأطراف في الجماعة الليبية المقاتلة يعتقد أنها هي من سرقت «بضاعة قطيسة» وأعادت بيعها لزعيم «داعش» في غرب ليبيا المعروف باسم المدهوني.

وفي أحد الاجتماعات بدا قيادي في جند الحق يدعى السوكني، ساخطًا على تصرفات رشيد، وبالإضافة إلى توبيخه لتصرفه من رأسه في موضوع غاز السارين، ذكر أيضًا أنه، أي رشيد، أصبح في الشهور الأخيرة متهورا ونفذ أحكاما بالقصاص (الإعدام) بحق «أخوة لنا اتضح فيما بعد أنهم أبرياء».

ويبدو أن السوكني كان قد اتفق مع المدهوني على استخدام غاز السارين (بضاعة الرابطة) لتأمين منطقة تحمل الاسم نفسه (الرابطة) وتقع في الجنوب الأوسط من طرابلس. أما بضاعة قطيسة فقد جرت وقائع عملية سرقتها من مخزن سوق الخميس بطريقة مشبوهة وفيها قدر كبير من التآمر كما اتضح من المناقشات التي حدثت بين أبو حازم ورشد فيما بعد. ويشتبه أبو حازم في أن الحراس الذين كانوا على المخزن هم الذين سرقوه. فالاثنان على أية حال لم يصدقا رواية الحراس، خصوصا أن رشيد كشف لأول مرة لمحدثه أنه كان يخبئ أيضًا، مع عبوات غاز السارين، صندوقا يحوي سبائك ذهبية.

وتقول رواية حراس مخزن سوق الخميس إن لصوصًا في سيارات هجموا عليهم في المخزن وقاموا بتوثيقهم بالحبال، وسرقوا أسلحتهم، ثم أخذوا كل ما هو موجود في المخزن، ومضوا. ووفقًا للتحقيقات المبدئية التي أجرتها قيادات في الجماعة المقاتلة وعناصر من تنظيم جند الحق، في الواقعة، فإن أيا من حراس المخزن لم يصب بأذى «ولا خدش». ثم كيف تركهم اللصوص بهواتفهم المحمولة، دون أن يأخذوها منهم.

وبعد واقعة سرقة الغاز، ظهرت في الأسبوع الماضي صفقة أسلحة جديدة تتضمن غاز السارين موجهة للمدهوني زعيم «داعش»، من قيادي في ميليشيا أبو سليم، يدعى عبد الغني. وكانت كمية الغاز ضمن صفقة جديدة للسلاح يقوم عبد الغني ببيعها للمدهوني. وتقول التحقيقات إن هذه الصفقة التي تعد واحدة من صفقات كثيرة بين الرجلين، تتضمن عشرين صاروخا حراريا وعربتين محملتين بصواريخ غراد وذخيرة و«بضاعة ممتازة»، بالإضافة إلى غاز السارين. ورد عليه القيادي الداعشي قائلا: «نشتريها اليوم، قبل الغد».

تحركات عبوات غاز السارين في طرابلس أثارت حفيظة اثنين من قيادات الإخوان المسلمين في ليبيا، وهما يستعرضان تطورات المراقبة التي تقوم بها طائرات أجنبية في سماء طرابلس ومناطق أخرى من البلاد، خاصة سرت.

وتقول مصادر قريبة من المتطرفين إن القياديين الإخوانيين المشار إليهما، تحدثا في لقاء جرى بينهما منذ نحو أسبوع، عن رصد عمليات نقل للغاز إلى مناطق في غرب طرابلس أيضًا، وأن «الأوضاع ليست طيبة» وأن «هناك أطرافا روسية تجري تحقيقات عن تسرب شحنة من عبوات غاز السارين، إلى سوريا، عبر إحدى دول البحر المتوسط، وأنه جرى أيضًا رصد طائرات أميركية وفرنسية وهي تراقب مواقع لأسلحة للميليشيات في العاصمة. كما تحدثا عن قلق الأمم المتحدة من قضية غاز السارين نفسها.

واعترض محققون مختصون في طرابلس تقارير مرسلة لأحد أطراف جماعة الإخوان في مصراتة، من رجل يعمل في الغرفة الأمنية في العاصمة، قال فيها إن الجهات التي بدأت في تتبع أماكن غاز السارين في طرابلس، تجد صعوبة في تحديد مواقعها، بسبب السرعة في تغيير مخازنها من يوم إلى يوم.

ويبدو أن هذا الرجل كان ضمن فريق نجح في العام الماضي في تحديد أماكن كثير من مواقع تخزين عبوات غاز السارين، لكن لم يلتفت إليها أحد، بحسب قوله، وأضاف موضحًا في التقرير: «جف ريقنا ونحن نحذر، لكن كانوا (في سلطات طرابلس غير المعترف بها دوليا) حين يسمعون اسم غاز السارين لا يتحرك أحد. والآن تغيرت أماكنها ولا نعرف أين هي».

وتضمن التقرير الذي جرى اعتراضه بواسطة الأجهزة الأمنية، قول هذا الرجل للقيادي الإخواني في مصراتة: «تفاصيل قصة غاز السارين موجودة لدى فلان وفلان. وعدد أسماء لقادة ميليشيات تعمل في طرابلس وسرت ومدن أخرى، وهم: رشد، وأبو حازم، والمدهوني، وعبد الغني، ورجل اسمه الميرغني، وقيادي ليبي آخر يلقبونه بـ(أفغاني ترهونة)، وأبو عبيدة». وأضاف: هؤلاء هم رؤوس الغاز، وهم الذين وزعوه في طرابلس والزاوية. وعندهم في مخازنهم.

لكن ومع تنامي الضغوط الدولية للتدخل وكسر شوكة المتطرفين في ليبيا، دبت خلافات بين عدد من الأسماء التي يشتبه بأنها على علم بأماكن تخزين غاز السارين، ووصل الأمر إلى قيام البعض بسرقة ما لدى الآخر من عبوات فتاكة، والتسابق على حيازتها. وفي واقعة من هذه الوقائع، تبين من مصادر أمنية وأخرى على علاقة بنشاط المتطرفين، أنها جرت بالتنسيق بين المدعو عبد الغني، القيادي الميليشياوي المشار إليه، وآخر يسمى كريدان، القيادي فيما يعرف بسرايا ثوار سوق الخميس.

الاتفاق يتلخص في أن يتوجه كريدان، على وجه السرعة، لجلب كمية من غاز السارين مخبأة في منطقة «أرض الخرابة» قريبة من منزل عقيد سابق اسمه الفيتوري. ويبدو أن هذا العقيد لا علاقة له بالأمر. كان عبد الغني يريد الوصول إلى هذه الكمية قبل أن يصل إليها القيادي أبو حازم، حيث إن هذا الأخير كان قد تحرك بقوات للوصول إلى المكان نفسه لأخذ الكمية، لكن المسافة التي سيقطعها أطول من المسافة التي تفصل كريدان عن «أرض الخرابة». أبو حازم ما زال في منطقة الهضبة البعيدة، بينما كريدان كان في منطقة الفرناج القريبة من موقع الغاز.

لا توجد خريطة يمكن أن تصل عن طريقها إلى «أرض الخرابة». لا بد أن يصف لك أحد أبناء المنطقة كيفية الانتقال إلى هنا. عليك أولا أن تسلك الشارع (غير مرصوف ودون اسم) في اتجاه مبنى سجن الجديدة بحيث يكون المبنى على يمينك. ثم تواصل السير حتى تعثر على بداية الطريق المرصوف بالإسفلت، وهو موجود بعد السجن بمسافة قصيرة. وتظل تتقدم حتى تجد مجموعة من المنازل المتجاورة على اليمين.

ومن هنا تدخل أول زنقة على اليمين أيضًا، وبعد المنزل الثاني، وهو منزل العقيد الفيتوري، تجد قطعة «أرض الخرابة»، حيث يوجد وسط النفايات مجموعة من «البراميل الجرماني»، من بينها برميل لونه أزرق وعليه جمجمة بيضاء، فيه عبوات الغاز، وهو المطلوب. ووفقا لنص التحقيقات فقد طلب عبد الغني من كريدان أن يأخذ حذره مع مجموعته وهم ينقلون العبوات، لأنها متآكلة من الصدأ.

تشير التحقيقات أيضًا إلى أن كميات السارين التي تعرضت للسرقة من سوق الخميس ومن «أرض الخرابة»، وصل أغلبها في نهاية المطاف إلى معسكرات المدهوني الداعشية المنتشرة في طرابلس وحتى بلدة صبراتة غرب العاصمة، وذلك بالتزامن مع ازدياد قدرات التنظيم المتطرف وانتشاره واستقباله لعشرات القيادات من دول مختلفة، وتعامله بشكل مباشر مع الخليفة المزعوم في العراق والشام، أبو بكر البغدادي.

آخر الزيارات النادرة التي قام بها المدهوني، وهو ممتلئ بالثقة، كانت لقيادي داعشي مصري يلقب بـ«خضير» في طرابلس، وهو وفقا للمصادر من بين المتهمين بالضلوع في الهجوم على السفارة الإماراتية في ليبيا في يوليو (تموز) 2013. وكان سبب الزيارة مرض خضير بالكلي. وأثنى الرجل المريض على عمليات «داعش» التي أدت قبل ثلاثة أسابيع لحرق منشآت نفطية في رأس لانوف، في شرق ليبيا، فرد عليه المدهوني، بحسب وثائق أمنية: «إخوتنا قاموا بأعمال جليلة، سال لها دمع الخليفة فرحا وبشرى. نجح الأخوة في حرق أرزاق الخوارج (يقصد السلطات الشرعية في البلاد) ومصادر تموينهم».

ويتنقل المدهوني بين مقراته في عين زارة ومنطقة امعيتيقة (معسكرات تضم سجنًا أيضًا في الجانب الشرقي من العاصمة) ويقيم أحيانا في دار الحسبة التي تقع على شاطئ القرابولي على بحر طرابلس، ويتردد كذلك على معسكرات ومراكز تدريب داعشية أخرى أصبحت منتشرة في غرب المدينة وفي نقاط تمتد حتى قرب الحدود مع تونس.

وفي اليومين الماضيين رد المدهوني على عدد من قيادات الميليشيات التي انتقدته لشعورها بالقلق من تنامي نفوذه بشكل كبير وفي وقت قياسي، بقوله: «هذا ليس وقت المعارك الجانبية. نحن نعد لمعركة طرابلس الكبرى. وطلب من أنصاره شراء المزيد من الأسلحة والغاز، اليوم قبل بكرة».

يوميات الفوضى في ليبيا (4 من 5): «داعش ليبيا» يشتري «مرسى بحريًا» قرب حدود تونس ويخزن ترسانة أسلحة في طرابلس

1454086524433297200 (1)أسس غرفة عمليات في «عين زارة» لتنفيذ عمليات في دول الجوار واستقبل قيادات أفغانية وباكستانية وموريتانية

كان اليوم كله ينذر بأن الأمور ربما لن تكون على ما يرام. تحت السحب السوداء الكثيفة في العاصمة الليبية طرابلس، خرجت سيارة زرقاء اللون. وعند جامع عُقبة أطلق منها مسلحون وابلا من الرصاص على سيارة «دبل كابينة» تابعة للمجلس العسكري المعروف باسم «أبو سليم». إنه واحد من عشرات التجمعات التي تديرها ميليشيات في العاصمة الملغمة بقادة التطرف. هذه هي الأيام الأخيرة من شهر يناير (كانون الثاني)، حيث يتخوف العالم من مصير هذه الدولة التي تحولت سريعا إلى وجهة للتنظيمات المتشددة القادمة من أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا.

كان في سيارة الدورية عدد من أعضاء ميليشيا «أبو سليم»، منهم جلال زميط، وسامي المسلاتي، وخالد المحجوب. وأصيب هذا الأخير برصاصة في كتفه، بينما تمكنت السيارة من الهرب. كانت سرعتها مثل سرعة طائرة، وانطلقت في اتجاه منطقة الهضبة التي يقع فيها سجن كبير يضم العشرات من المساجين الذين كانوا حتى صيف عام 2011 من القيادات التي تدير نظام الحكم بقيادة معمر القذافي.

وفي اليوم الثاني، وفي الجانب الآخر من طرابلس، وصل قيادي أفغاني من القيادات القديمة في تنظيم القاعدة، ويدعى علام الدين زاهر الإسلام، قادما من سوريا. وبدأ يتواصل مع باقي عناصر المتطرفين لكي يبدأ العمل انطلاقا من مقرات تابعة لكل من الجماعة الليبية المقاتلة (تابعة للقاعدة) وأخرى تخص تنظيم داعش في ما يسمى «ولاية طرابلس». كان علام موجودا في ليبيا من قبل، ولديه خبرة مسبقة في العمل مع «ثوار 17 فبراير» ضد قوات القذافي. وهو معروف لدى الكثير من الجماعات المتشددة في عموم البلاد. لقد استمر في العمل في ليبيا أعوام 2011 و2012 وسافر في 2013 للقتال في سوريا، والآن عاد إلى ليبيا، ويتخذ من بلدة صبراتة في غرب طرابلس مقرا له، ويتردد أيضًا على العاصمة.

المشكلة أن الميليشيات، وهي تحاول أن تخلق جبهة موحدة للعمل ضد السلطات الشرعية في البلاد، ولمواجهة أي احتمال لتدخل دولي في ليبيا، يوجد بينها تنافس على النفوذ وعلى القيادة، يؤدي بين وقت وآخر إلى صدام بين عناصر مسلحة من هنا ومن هناك، ويؤدي أيضًا إلى عمليات انتقامية كما حدث من المجهولين الذين كانوا في السيارة الزرقاء.

لقد تحدث قادة غربيون خاصة من الولايات المتحدة الأميركية خلال الأيام القليلة الماضية عن تنامي خطر المتطرفين في ليبيا خاصة تنظيم داعش، وتحدثوا أيضًا عن وصول مقاتلين وقادة من هذا النوع من الجنوب. واطلعت «الشرق الأوسط» على معلومات تفصيلية عن بعض من الوجوه الجديدة التي عبرت بالفعل من الجنوب حتى وصل بعضها أخيرا إلى طرابلس. ومن بين هؤلاء قيادي آخر في تنظيم القاعدة وهو باكستاني الجنسية ويدعى عامر الحق نصير. ودخل عامر الحق من صحراء جنوب غرب ليبيا، أي عبر الحدود مع الجزائر.

لم تكن رحلة دخوله والمجموعة التي معه سهلة. ومن المعروف أن دول الجوار الليبي مثل الجزائر ومصر وتونس، والبلدان الأفريقية الأخرى، تتخذ إجراءات مشددة لمنع عبور المتطرفين والأسلحة. ويقول الباكستاني عامر الحق، وهو جالس بين مستقبليه من المتطرفين في طرابلس، ويروي تفاصيل رحلته، إن الجزائريين هاجموا القافلة التي كان قادما على رأسها. وهو لم يذكر في تلك الجلسة كيف دخل هو ومن معه من باكستانيين إلى الجزائر. لكنه يواصل موضحا أنه قبل أن يجتاز الحدود بسيارات الدفع الرباعي، إلى داخل ليبيا، أطلق الجزائريون النار عليهم، وردوا عليهم بالمثل، في اشتباك على الحدود استمر لعدة ساعات، فسقط عدد ممن كانوا معه، وجرى دفنهم بعد ذلك في الرمال الليبية.

وتوعد عامر الحق، بتنفيذ عمليات ضد السلطات الأمنية الجزائرية بعد أن يلتقط أنفاسه في ليبيا للانتقام لمن قُتلوا من مجموعته، قائلا: «قُتل لنا أخوة نحسبهم (شهداء) في الجنوب، والآن صار الثأر عندنا بحجم الرمال التي دفنوا فيها. سنعود ونقتص».

وعلى كل حال يمكن أن تقول إن ليبيا لم يعد يوجد فيها فروق تذكر بين المسميات التي يحملها قادة المتطرفين. فالرجل الباكستاني عامر الحق، ورغم أنه من تنظيم القاعدة، فإن له قنوات اتصال مع قيادي باكستاني أيضًا، لكنه من «داعش» اسمه معاوية ذاكر الله، ووصل هو الآخر إلى ليبيا أخيرًا.

لا بد من الإشارة إلى أن بعض القيادات الليبية المتشددة ما زال لديها حساسية من تولي هؤلاء الأجانب القيادة في بعض الضواحي. وهنا يبرز الدور الذي يقوم به زعيم داعش في غرب ليبيا، محمد المدهوني، حيث إنه يبدو عليه القدرة على توزيع الأدوار في العاصمة والأدوار العابرة للحدود، خاصة في تونس والجزائر. ومن خلال وثائق اطلعت عليها «الشرق الأوسط» ومقابلات أجرتها مع عدد ممن لهم صلة بقادة المتطرفين في ليبيا، تبين أن هناك نشاطًا أيضًا لزعماء من المتشددين الموريتانيين داخل العاصمة، ويقوم عدد منهم بتسيير دوريات أمنية في طرابلس، تحت إشراف المدهوني نفسه.

ومن بين هؤلاء الموريتانيين رجل يدعى عمارة ولد أحمد، وآخر اسمه علي ولد أحمد، وهما قياديان في داعش، ولكل منهما مجموعة تتواصل مع مجموعة الباكستاني ذاكر الله. وزار الثلاثة المدهوني في مقره في منطقة عين زارة. وأعطى زعيم داعش لـ«علي ولد أحمد» مسؤولية الإشراف على دوريات في عدة شوارع تقع في القسم الغربي من العاصمة. وأصابت مثل هذه التحركات بعض قادة الصف الثاني من المتطرفين الليبيين بالاستفزاز، رغم أن عمليات نقل الأسلحة والبيع والشراء وتنسيق العمليات ضد الجيش الوطني الليبي، وضد حكومات دول الجوار، تسير بين القادة الكبار على قدم وساق.

في مثل هذه الأجواء التي تشبه حالة الحرب يخيم الخوف والذعر على سكان العاصمة، بينما يطلب بعض السياسيين سواء من المقيمين في الخارج أو في المدن الهادئة في الداخل، من سكان طرابلس الثورة ضد الميليشيات المتطرفة في العاصمة. بيد أن الواقع يقول عكس ذلك.. لا يمكن أن تمر من زقاق أو شارع دون أن ترى سيارتين أو ثلاثة تحمل ملثمين مدججين بالأسلحة، ولديهم القدرة على القتل بلا حساب. يقول أحد وجهاء العائلات في جنوب المدينة إن العالم الخارجي، سواء من الليبيين أو الأجانب، ليس لديهم تصور حقيقي عن الأزمة التي تعيشها طرابلس. دعك من نقص الخدمات وانقطاع الكهرباء ونقص مياه الشرب. المشكلة في الحفاظ على نفسك وعلى أهل بيتك من خطر الميليشيات.

في الليل، وبينما تسمع تكتكة الرصاص عبر الشوارع، كانت السماء مظلمة وسيارات الدفع الرباعي تمرق عبر الميادين. وصافرات الإسعاف تدوي من بعيد ثم تنطلق كالريح. يبدو أنه توجد حالة من الغضب بين أحد القيادات الليبية الكبيرة مع قائد من قادة الصف الثاني. هذا يحدث عادة. وهذا يعني «حالة طوارئ مصغرة»؛ ولا حركة. ماذا حدث؟ لقد تصرف مسؤول في كتيبة الأبرار، يدعى خثالة، وتابع لجماعة أنصار الشريعة، دون تنسيق مع المستوى الأعلى منه، وهو رجل يلقب باسم «الشريف»، في الجماعة الليبية المقاتلة.

الشريف كان غاضبًا. قال له: «ما هذا اللعب الذي تقومون به؟ ألم نتفاهم على أن كل عملياتنا يجب أن نتشاور فيها. كيف هذا؟ ماذا تفعلون؟ ويبدو أن العملية المختلف عليها كانت تخص تمرير مجموعة من المتطرفين إلى الحدود لكي يدخلوا إلى الجزائر».

حاول خثالة في خضم الجدل أن يدافع عن نفسه، وقال إن عملية التحرك قامت بها جماعة تابعة لقيادي جزائري يعمل بالقرب من طرابلس اسمه بوجرة. جماعة بوجرة كانت متمركزة قرب منطقة تاورغاء الواقعة إلى الشرق قليلا من العاصمة الليبية. وتقول مصادر المتطرفين إن القيادات الكبيرة في الجماعة المقاتلة أصبحت مضطرة للتنسيق في مسألة العمليات الداخلية والخارجية مع جماعة الإخوان وداعش، وأن تحرك مجموعة بوجرة من تاورغاء دون تنسيق أعطى مؤشرات بأن البعض من الكبار في الجماعة المقاتلة، ربما كانوا يعملون في الخفاء ضد خطط الإخوان وداعش.. «وهذا غير مسموح به لأن الجميع يقف فوق صفيح ساخن»، وفقا لأحد هذه المصادر.

تحرُّك المتطرفين إلى الجزائر يبدو أنه أصبح انطلاقا من مدينة غدامس المجاورة للحدود بين البلدين. طلب الشريف من خثالة أن يأمر مجموعة الجزائري بالتوجه إلى مقره في طرابلس فورا، وهو مقر موجود قرب منطقة الهضبة، وفي المقابل، أمر أيضًا بأن تتحرك مجموعات أخرى من المتطرفين إلى بلدة غدامس، هما «مجموعة العوامي»، و«مجموعة البرعصي». ويظهر من الكلام بين الرجلين أن المطلوب في هذا التوقيت تجهيز عمليات لوجستية للمتطرفين في غدامس، قبل التحرك إلى داخل الجزائر. وتقرر أن يشرف على استقبال مجموعتي «العوامي»، و«البرعصي» قيادي يدعى «العوضي»، في غدامس.

يظل أخطر مقر في الوقت الراهن للمتطرفين في ليبيا هو مقر المدهوني زعيم داعش، والذي أصبح يلقبه الكثير من القيادات الكبيرة في باقي التنظيمات باسم الشيخ. هذا الرجل يتميز بإمكانيات مالية غير محدودة، وهو لا يتردد في شراء أي صفقة أسلحة بأي مبلغ يطلب منه. ولا يفاصل ولا يطلب إنقاص السعر. وآخر صفقة عقدها كانت تضم صواريخ حرارية لديها القدرة على تحويل الدبابة إلى رماد. كما تبين أنه اشترى مرسى بحريًا في مدينة الزاوية الليبية الواقعة على بعد نحو مائة كيلومتر من الحدود مع تونس. وحين جاء القادة من الأفغان والباكستانيين والموريتانيين والجزائريين إلى طرابلس، ذهبوا إلى مقره مباشرة.

مقر المدهوني الواقع في معسكر في منطقة عين زارة، يضم غرفة خاصة لإدارة عمليات إرهابية في تونس وأخرى خاصة بالجزائر. ووفقا لمحاضر تحقيقات أمنية اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، فقد جرى التخطيط لتجنيد دواعش في جبل الشعانبي في تونس لتنفيذ تفجيرات في هذه الدولة. وسبق أن شهدت تونس عمليات دامية على يد التنظيم المتطرف نفسه. ومن بين من جرى التنسيق معهم في غرفة عمليات عين زارة، من التونسيين، اثنان الأول يدعى زياد، والثاني جميل.

كما جرت «مباحثات» أخرى في غرفة العمليات الخاصة بتونس، بين المدهوني وتونسي يدعى أبو جريد، وهو قيادي في داعش تونس. وجرى تكليفه بتنفيذ أعمال تخريبية في شارع الحبيب بورقيبة، وفي وسط ميادين العاصمة وفي المدن المهمة.. و«في سوسة والمانستير وصفاقص». وقال له بالنص وفقا لما ورد في تحقيقات تقوم بها أجهزة أمنية مختصة بنشاط المتطرفين في شمال أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط: «لا تبقِ صيدا سهلا في مناطق ضيقة.. اضربوا مصالح الأمن.. فرغوا الشوارع كما تريد الحكومة، فرغوها حتى يسهل اقتناص الأمن، ويسهل الاشتباك.. الحكومة تعلن فرض حظر تجوال، وهذا سيزيد حنق المواطنين عليها».

ومثلما تظهر الخلافات بين قيادات الصفوف الأدنى في التنظيمات المتطرفة في داخل ليبيا، ظهرت أيضًا في تونس التي يبدو من خلال التحقيقات أن أطرافا في حركة النهضة التابعة لجماعة الإخوان، تقوم هي الأخرى بالتعاون مع دواعش تونس.

وقال المدهوني للداعشي التونسي أبو جريد بحسب نص التحقيقات إنه «يوجد خلاف حاد الآن بين إخوان تونس وقصر قرطاج (يقصد السلطات التونسية).. وسوف تنهار حالة التماسك بينهما، وهي منهارة أصلا. جندوا قيادات في الجيش وفي الأمن، كما تفعل حركة النهضة، ولا تثقوا فيها». وفي المقابل اشتكى أبو جريد من «مشكلات تموين وصرف». فأجابه المدهوني: «سيصلك ما تريد بعد أن نرى عمليات نوعية.. أرسلت لكم مليوني دولار، وسلاح، وأخوة من عندي، وهذا يكفي لإثبات أن المحال لكم يستعمل فيما نريده.. تحركوا بكل نظام وبشكل سريع، واهتموا، بالإضافة للمدن التي ذكرتها لك، بالقرى الفقيرة في الجنوب.. نريد شغلا مميزا لسرعة إحداث خلخلة وانهيار كامل قبل أي تدخل فرنسي».

يبدو من القراءة الأولى لنتيجة الجولة التي قامت بها «الشرق الأوسط» أن قيادات داعش تستحوذ على التنسيق على الجبهة التونسية، وقيادات الجماعة الليبية المقاتلة مختصة بتهيئة الجبهة الجزائرية، والقيادات الإخوانية بالجبهة المصرية، لكن كل هؤلاء يعملون بشكل يبدو أنه يزداد تناغما يوميا بعد يوم، رغم الشكوك والضغوط الدولية.

وبينما يظهر أنه توجد صعوبة في إحداث اختراق كبير على الجبهتين المصرية والجزائرية، يبدو أن نشاط المتطرفين في تونس أكبر وأسهل، لعدة أسباب من بينها وجود أعداد كبيرة من التونسيين في ليبيا، وسهولة العبور بين حدود البلدين. توجد أيضًا جماعة متطرفة في تونس جرى ذكرها على لسان أبو جريد أثناء حديثه مع المدهوني، تسمى «جماعة الجيلاني»، لها صلات بداعش ليبيا.

من محطات سوء التفاهم بين داعش تونس وغرفة عمليات المتطرفين في عين زارة، رفض الدوعش التونسيين دخول جماعة الجيلاني إلى العاصمة التونسية، بأوامر من أبو جريد. وهذا أغضب قيادات داعش ليبيا. وقدم أبو جريد الأسباب على أساس أنه يخشى من اعتقال عناصر من مجموعة الجيلاني، وقال وفقا للتحقيقات: «السبب في المنع أن عوان الأمن (الشرطة) منتشرون في العاصمة بشكل كثيف، ويغلقون الطرق، وأن الشعب عامل لجان أمنية ويتعاون مع عوان الأمن، كما أن جماعة النهضة طلبوا تأخير ذلك، لأن الأمور صعبة».

أما المرسى البحري الذي لديه القدرة على استقبال المراكب الصغيرة وأصبح تحت يد داعش في مدينة الزاوية، فقد كان يديره في السابق رجل يكني بأبو عبيدة، وهو من قادة ميليشيات المتطرفين في ليبيا، وكان يشغل منصب رئيس غرفة عمليات الثوار في البلاد. ويحمل المرسى البحري اسم «مرسى جرف الزاوية»، واستقبل في الأيام القليلة الماضية جرافات (مراكب) محملة بالأسلحة. كما استقبل مقاتلين قادمين من تونس. وأثار هذا الأمر حفيظة عدد من القيادات الصغيرة في الجماعة الليبية المقاتلة بسبب انتشار العناصر التونسية في مدينة الزاوية. ويقول أحد المصادر القريبة من أنشطة المتطرفين هنا، إن المرسى يستخدم أيضًا في نقل العناصر وإعادتهم إلى تونس بعد تدريبهم.

ومن قيادات المتطرفين الجزائريين ممن وصلوا إلى ليبيا، رجل يلقبونه هنا بـ«عصيد»، وآخر يسمونه رشوان، ومعروف في تنظيم «جند المقدس». ومن الأسماء الجزائرية التي ظهرت في غرفة عمليات داعش في معسكر عين زارة، رجل يدعى عزيز، وآخر اسمه جلول، وثالث يلقب بالمشغول، ورابع يعرف باسم عبد المهيمن.

ووفقا للمصادر فإن المدهوني يعد هؤلاء من أجل العودة مع آخرين إلى الجزائر عن طريق بلدة غدامس.. وفي آخر حديث بينهما، بحسب نص التحقيقات، قال زعيم داعش الليبي للجزائري عبد المهمين: «اتصل بي أخونا هاني حسن (غير معروف من هو، لكنه يبدو من قيادات المتطرفين الذين يعملون على الجبهة الجزائرية).. يريدكم الالتحاق به غدا صباحا. طلب مني الإذن، وأنا وافقت، فالإخوة هناك (أي في الجزائر) وضعهم ضنك ويحتاجون لنا. غادر الفجر إلى غدامس ومنها لن تغلب في الدخول للجزائر أنت خبير في ذلك».

وبمرور الأيام يبدو التناغم في التنسيق المباشر موجود ما بين الجماعة الليبية المقاتلة والتابعين لها، وبين تنظيم داعش، رغم أن قيادات من جماعة الإخوان، تحاول أن تكون في الصورة، رغم أن الكثير من تصرفاتها غير مطمئنة للتنظيمات الأخرى. فالمدهوني على سبيل المثال قال لدواعش تونس صراحة أنه لا ينبغي الالتفات إلى التنسيق معهم. وحذر منهم. بينما في ليبيا توجد للجماعة علاقات قوية خاصة في مسألة التعاون في تمرير صفقات الأسلحة والمقاتلين، لصالحها ولصالح الآخرين، سواء داخليا أو خارجيا.

رجل محسوب على الجماعة المقاتلة يدعى عبد الغني، وهو قيادي في المجلس العسكري لأبو سليم، يرتبط بعلاقة جيدة مع قادة الإخوان الذين يتركز غالبيتهم في بنغازي في الوقت الراهن. وحين تعرضت الدورية التابعة له في طرابلس لإطلاق النار من السيارة الزرقاء، حامت الشبهات حول تعاون إخواني مع عناصر أميركية يقول المتطرفون أنها عناصر موجودة في طرابلس.

ومع ذلك أصبح عبد الغني يرتبط بعلاقة وثيقة مع المدهوني. وتعاون معه في جلب شحنة أسلحة كانت متجهة من مدينة الزاوية إلى مدينة مصراتة، تتكون من ألغام مضادة للمشاة وقواذف، و18 من الصواريخ الحرارية فرنسية الصنع. كان السمسار، ويدعى «الشوشي» يريد أن يبيع الشحنة لمصراتة بستة ملايين دولار، لكن داعش زاد نصف مليون للحصول على الصفقة عن طريق عبد الغني. وتبلغ قيمة الصواريخ وحدها خمسة ملايين دولار. وجرى نقل الشحنة إلى معسكر عين زارة.

رغم كل شيء، ومع تبادل صفقات السلاح وصفقات المقاتلين، والترتيبات الخطرة، فإن الشكوك في الشارع الميليشياوي الليبي لا تتوقف. وكلما خرجت تقارير من الغرب ضد استمرار حالة الفوضى التي يثيرها المتطرفون في ليبيا، كلما زاد حراك العناصر على الأرض وارتفع صوت إطلاق الرصاص من زوايا الشوارع، وبين يوم وآخر تتقاطع مواقع النفوذ ويشتبك مسلحون من هنا ومن هناك. ويأتي الرد بعد ساعات من خلال عمليات انتقامية مباغتة. وفي الليل، في الجانب الشرقي من العاصمة، وصل أحد قيادات الجماعة الليبية المقاتلة إلى مقر إقامة مسؤول كبير في المؤتمر الوطني، وأبلغه أن يأخذ حذره من جماعة الإخوان.

وقال له إن بعض قيادات الإخوان وهم ينسقون مع الجماعة المقاتلة، يسعون، في الوقت نفسه، لإحياء قنوات التواصل مع الجانب الأميركي تحسبا لما سيأتي في المستقبل.. «الإخوان يريدون حمل تركة طرابلس في حال حدث تدخل أميركي فيها، وهم يخفون عنا ذلك». نفس التحذيرات أبلغها قيادي آخر في الجماعة المقاتلة، لمسؤول المؤتمر الوطني نفسه. قال له إن الإخوان لديهم أيضًا اتصالات مع الإيطاليين. وبعد عملية السيارة الزرقاء نصحه أن يغادر مكتبه ويبقى بين أهله.

وحين جاء الصباح، بدأت نفس القيادات في ترتيب عملية إرسال ثلاثة زوارق محملة بالأسلحة إلى القوات المعارضة لقائد الجيش الوطني الليبي الفريق أول خليفة حفتر. شارك في هذه الترتيبات اثنان من الإخوان أحدهما زعيم للجماعة في بنغازي والثاني يترأس ذراعا سياسية للجماعة في طرابلس. كما شارك في التوجيه بإتمام العملية قيادي في الجماعة الليبية المقاتلة، ورجل غير معروف يلقبونه بـ«الكوافي»، بالإضافة إلى أحد أصحاب الزوارق متخصص في «الهجرة غير الشرعية»، في منطقة قرقارش في طرابلس، اسمه «تيبار». ورغم ما أبداه تيبار من مخاوف من قصفه من الطيران الليبي أو من الطيران الفرنسي، إلا أنه رضخ للأمر.

مع المساء جاء اتصال من المشفى الذي يعالج فيه المحجوب. لقد نزف الكثير من الدم من إصابته في حادث إطلاق النار من السيارة الزرقاء. والمشكلة أنه لم يعد يوجد دم في أي من مستشفيات العاصمة. وجاء الرد من أحد قيادات الميليشيا، قائلا: «ابعث طبيب للسجن ليبحث بين الموقوفين عن فصيلة الدم المطلوبة، ولا يهمك».

(يوميات الفوضى في ليبيا 3 من 5): تفاصيل خلافات المال والسلاح بين قادة ميليشيات طرابلس

1453999683554340700

متطرفو ليبيا يبحثون عن مخرج قبل تولي حكومة السراج أعمالها

في لقاء جرى أواخر الشهر الماضي بين اثنين من كبار قيادات الميليشيات الليبية، تم بحث عملية نقل مليارات الدولارات من أموال المصرف المركزي الليبي إلى مكان آمن خارج العاصمة طرابلس، مع ازدياد نذر الحرب الأهلية بين العناصر المدججة بالأسلحة في المدينة الواقعة على البحر المتوسط. تزامن ذلك مع اختلاط التحالفات بين قيادات من جماعة الإخوان المسلمين و«الجماعة الليبية المقاتلة» وتنظيم «داعش»، مع توجه لتصفية الحسابات واتهامات بـ«التخوين والعمالة» بين قادة من هذه التنظيمات.


الموضوع لا يقتصر على فتح ملفات قديمة تعود لسنوات ما بعد مقتل القذافي، ولكن المثير في الأمر أن بعض الأطراف التي شاركت في حوار الصخيرات ظهر أنها، من خلال مقابلات جرت في العاصمة الليبية، تعمل في الخفاء مع تنظيم «داعش» في غرب ليبيا، والذي يديره رجل يدعى محمد المدهوني، وكشفت «الشرق الأوسط» عن اسمه للمرة الأولى هذا الأسبوع.

انتهى حوار الصخيرات بين عدد من الأطراف الليبية منتصف الشهر الماضي بالإعلان عن مجلس رئاسي برئاسة فايز السراج الذي يفترض أن يكون رئيس «حكومة توافق وطني» مقترحة من الأمم المتحدة، لكن الواقع يبدو أكثر تعقيدا مما يبدو على السطح.

قادة ميليشيات في طرابلس وأعوانهم في عدة مدن أخرى، خصوصا بنغازي ومصراتة، يشعرون بالذعر من قلق المجتمع الدولي من تنامي شوكة المتطرفين وتنظيم «داعش» في هذه البلاد. ومع ذلك يعمل كثير من الأطراف المحلية المتشددة في طرابلس بلا هوادة لتجنب انفراط عقد التحالفات التي استمرت، بشكل غير رسمي، منذ سقوط نظام القذافي في 2011، حتى يومنا هذا.

وفي اللقاء الذي جرى بين عضو في جماعة الإخوان الليبية، وقيادي كبير في المؤتمر الوطني (البرلمان السابق) في طرابلس، طلب الأول من الثاني بصفته مسؤولا وذا نفوذ، العمل سريعا على نقل الأرصدة المالية الموجودة في مصرف ليبيا المركزي إلى خارج طرابلس، واقترح نقلها إلى بلدة زوارة أو مصراتة، بديلا عن العاصمة، قائلا إنه «توجد معلومات مؤكدة عن أن طرابلس تسير بخطى سريعة نحو الفوضى».

ويشغل القيادي الإخواني المولود في بنغازي في مطلع ستينات القرن الماضي، عضوية الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ويشرف على إدارة ميليشيات متطرفة في شرق البلاد، وله هيمنة على عدد من قادة المتطرفين في طرابلس، بما في ذلك «الجماعة الليبية المقاتلة» التابعة لتنظيم القاعدة. بينما ينتمي المسؤول الثاني في طرابلس، إلى بلدة زوارة التي ولد فيها في أواخر الخمسينات، وهو من أصول أمازيغية، وصعد إلى الواجهة السياسية منذ عام 2013 بدعم من كل من حزب العدالة والبناء الليبي التابع لجماعة الإخوان، وكتلة الوفاء التابعة لتنظيم القاعدة والمحسوبة أيضا على «الجماعة المقاتلة».

محاولات كل من الإخوان و«المقاتلة» لاسترضاء الزعيم الجديد لـ«داعش» في غرب البلاد، يبدو أنها تجري بصعوبة بسبب سرعة تنامي قوة المدهوني وحشده للسلاح والمقاتلين في طرابلس والمناطق الشمالية الغربية مثل صبراتة القريبة من الحدود التونسية. وبعد اقتراح مقدم من أحد قادة «الجماعة المقاتلة» لتشكيل تحالف يضم ميليشيات الإخوان وقوات «داعش»، بدا أن عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يشعر بالقلق من نيات محمد المدهوني.

وعلى هذا الأساس بدأ القائد الإخواني مناقشة الأمر مع ابن زوارة في طرابلس. ومما قاله، وفقا لوثائق اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، إنه يوجد تغلغل لخلايا «داعش» في العاصمة، بأسلحة وأعداد من المقاتلين يزدادون يوما بعد يوم. وأضاف أن البنك المركزي هدف للتنظيم؛ بل في مقدمة أهدافه. وتابع قائلا إنه في حال عدم التوصل إلى تفاهم مع قيادات التنظيم، وعلى رأسهم المدهوني، «فقد نعجز عن حماية البنك المركزي، خاصة أن أكبر شحنة مالية دخلته منذ أيام».

ومما ظهر من حديث الرجلين أن المسؤول الطرابلسي لم يبدو عليه الحماس لتنفيذ اقتراح القيادي الإخواني، على أساس أن هناك اتصالات مع «الجماعة الليبية المقاتلة» لاحتواء المدهوني وإدخاله في تحالف واحد، وبالتالي «يعمل الجميع معا» و«لن تكون هناك حاجة لنقل أموال المصرف المركزي إلى خارج العاصمة»، وما يمكن أن يثيره ذلك من أقاويل وردود فعل.

وبعد دقائق من الجدل، عاد القيادي الإخواني وأكد على ضرورة اختيار مبدأ السلامة بسبب ضبابية الأيام المقبلة، وشدد على أن «موضوع نقل السيولة إلى خارج العاصمة من المهم إتمامه بسرعة وعدم التهاون فيه».

وتطرق الحديث بينهما إلى حكومة السراج، وبحث إمكانية عملها من عدمه، وتأثير ذلك على الوضع في العاصمة في حال قرر البرلمان الذي يعقد جلساته في طبرق منح الحكومة الجديدة الثقة لمباشرة مهامها. وقال المسؤول الذي يعد من كبار قادة المؤتمر الوطني: «الآن السراج قادم.. ولا نعرف كيف يريد»، فأجابه القيادي الإخواني بشكل حاسم: «دعك من ترهات الصخيرات واشتغل بما قلت لك، ونحن الحكومة».

وتضم طرابلس عشرات الميليشيات التي تمتلك أسلحة من مختلف الأنواع، وكل منها يسيِّر دوريات في مناطق نفوذه في العاصمة، لكن ازدياد قوة جماعة المدهوني، يبدو مثيرا للقلق، ليس فقط لباقي الجماعات في العاصمة، ولكن لأطراف إقليمية ودولية أيضا. والمشكلة أن هذه الأجواء المثيرة للريبة، أدت إلى حرث الأرض وإخراج كثير من الملفات التي كانت مدفونة؛ منذ بداية عمل الحكومات التي هيمن عليها المتطرفون عقب مقتل القذافي، خاصة في ما يتعلق بمصير مليارات الدولارات التي جرى سحبها وإنفاقها من خزينة البنك المركزي، من عام 2012 حتى الآن، وفي ما يتعلق أيضا بخطوط تهريب الأسلحة والمخدرات والمقاتلين عبر حدود دول الجوار والبحر المتوسط.

وقبل أيام قليلة، وبينما يشعر سكان طرابلس بالرعب من تحركات الميليشيات في شوارع المدينة، جرت مشاحنات بين قائد في ما يعرف بـ«لواء الصمود» وهو قائد كذلك في «قوة فجر ليبيا» ومن أبناء مصراتة وفي العقد الخامس من العمر، وآخر يبدو أنه مسؤول استخبارات ليبي مختص بالشؤون المالية، وعلى علاقة ما بالمصرف المركزي الليبي، يدعى مصطفي. وكان الموضوع يدور حول مبالغ مالية كبيرة تخص معاملات مع أطراف تونسية، ومصيرها.

وظهر من كلام مصطفى أنه يخشى من المساءلة مستقبلا عن مصير تتبع هذه الأموال وإلى أين انتهت. وقال: «هل تتذكر مبلغ المائتي مليون دولار التي جرى تخصيصها لتونس.. كان قرضا، وبعدها صار وديعة، وأخيرا أصبح مساعدة لثورة تونس».

وتحدث عن أن هذا التغيير في صفة المبلغ، جاء ضمن مراسلات قال إنها جرت مع أطراف تونسية، وأن الجانب التونسي عدّ المبلغ «مساعدة للثورة التونسية وتقديرا لموقفها معنا في ثورتنا»، مشيرا إلى أن بعض الشخصيات في حكومة السراج هي التي وقفت وراء تغيير صفة المائتي مليون دولار من «قرض ثم وديعة»، إلى «مساعدة للثورة التونسية».

ولم تتمكن «الشرق الأوسط» من الحصول على تعليق في حينه من الجانب التونسي، حيث إن الحديث بين القيادي في «لواء الصمود» الذي يعد قواته للوقوف ضد دخول حكومة السراج إلى العاصمة، ومصطفى، تطرق أيضا إلى مبلغ تصل قيمته إلى مليار دولار. وقال إن «مبلغ المليار دولار سوف يوضع وديعة في تونس، بل ربما وضع بالفعل، بعد الإعلان عن حكومة السراج»، مشيرا إلى أن هذا الأمر يشبه بطريقة أو بأخرى تخصيص ليبيا مبلغ ملياري دولار لمصر، أيام حكم الإخوان، في مقابل تسليمها أحمد قذاف الدم لطرابلس.

وكان ملف الملياري دولار المخصص لجلب قذاف الدم من الملفات التي جرى فتحها مجددا بين قيادات المتطرفين في منتصف الشهر الماضي، أثناء اللحظات الأخيرة لتوقيع اتفاق الصخيرات، وذلك بسبب خوف مسؤول في الرقابة في العاصمة من مساءلته عن الجهة التي انتهت إليها هذه الأموال، حيث تضمن الحديث حول هذا الموضوع بين أحد قيادات «لواء الصمود»، ومسؤول تنفيذي كبير في طرابلس (من مواليد مصراتة، في أواخر الأربعينات من العمر)، أن الأموال لم تسلم بالكامل إلى الطرف المصري، وأن ما خرج من ليبيا من هذا المبلغ، هو فقط 500 مليون دولار، ووصل إلى أحد الشخصيات القوية في مكتب إرشاد الإخوان بمصر (مسجون في الوقت الحالي في جنوب القاهرة)، أما باقي المبلغ، أي 1.5 مليار، فتوزعت بين عدد من قادة الميليشيات الليبيين.

وفي لقاء بين الرجلين، وبعد السلامات والتحيات في الضاحية الغربية من طرابلس، سأل القيادي في «لواء الصمود» المسؤول التنفيذي عما يثيره موظف في هيئة الرقابة عن مصير الأموال التي كانت مخصصة لجلب قذاف الدم أيام حكم الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، وأخبره أن موظف الرقابة وقع بينه وبين مسؤولين ماليين آخرين «خلاف بشأن الميزانية».

ورد المسؤول التنفيذي قائلا إن موظف الرقابة اتصل به بالفعل حول موضوع هذه الأموال، وإنه أخبر الموظف أنها «كانت ضمن بند العمل السري في ميزانية جهاز المخابرات الليبية أيام حكم الإخوان لليبيا». ويقول أحد الشهود من المسؤولين السابقين في حكومة طرابلس، إن المؤتمر الوطني (البرلمان السابق) حين طلب من رئيس مخابرات إخوان ليبيا، بيانا بهذا المبلغ، رد بقوله إن «هذه المبالغ لا نستطيع أن نصرح بها».

ويرد في الوثائق اسم من يعتقد أنه مسؤول في الاستخبارات، مصطفى، مرة أخرى، والذي يبدو أنه يريد أن يخلي مسؤوليته عن تحركات الأموال الغامضة.. ويقول المسؤول التنفيذي للقيادي في «لواء الصمود» إن مصطفى، الذي كان قد ترقى إلى أن وصل إلى موقع كبير في جهاز مخابرات الإخوان في طرابلس، أخبره أن «رئيس المخابرات لم يكن يستشيره في مثل هذه الأمور، ويتصرف من رأسه».

كما يرد من جديد اسم الإخواني الليبي، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مقترنا بالملياري دولار المشار إليهما، مع أسماء ثلاثة من قيادات المتطرفين المنتمين إلى «الجماعة الليبية المقاتلة». وتقول إحدى الوثائق إن الإخواني ابن بنغازي «هو الذي كان يقوم بالتنسيق مع مصر أثناء حكم مرسي». لكن حدة المناقشات التي دارت أخيرا بين القائد في «لواء الصمود»، والمسؤول التنفيذي الطرابلسي، ازدادت بمرور الوقت. وقال الأول: «هذا يعني أن الأموال سرقت، ولم نتسلم أحمد قذاف الدم. حسنا.. إذن أين ذهبت هذه الأموال، ولمن أعطوها؟».

كان المسؤول التنفيذي يسعى لتلطيف الأجواء، وأخذ يقرن اسم محدثه بلقب «يا حاج». وكانت هذه المواجهة تجري بينما يوجد أعضاء من المؤتمر الوطني (المنتهية ولايته) في حوار الصخيرات. وقال المسؤول نفسه: «والله يا حاج أرى أن هذا الوقت ليس وقت فتح الموضوع، وأن الأمور مشوشة، ومن الممكن إذا تم فتحه أن يؤثر على جماعتنا في حوار الصخيرات». وهنا رد القيادي في «لواء الصمود»: نعم.. لكن الأموال لا بد أن تعود حتى نجهز بها (لواء الصمود)، والله أنا قاعد أتسول أموال من أجل تشكيل (لواء الصمود)، وبعض التجار محرج وبعضهم خائف».

إثارة قضية إنفاق مليارات الدولارات من أموال الدولة الليبية على أيدي قادة الميليشيات الذين يسيطرون على العاصمة، تسببت في اتساع دائرة الشكوك والخلافات.. هنا أيضا، وفي مقابلة جرت بين اثنين من قادة «الجماعة الليبية المقاتلة»، ممن كانا يحاربان معًا في جبال أفغانستان، تبدو الريبة هي التي تسيطر عليهما، رغم أنهما يعكفان على لمّ شمل المتطرفين في مجلس شورى موحد مع الإخوان و«داعش». على كل حال، تقول الوثائق إن الأول يكني «أبو حازم» ومسؤول عن كثير من المهام الميليشياوية داخل طرابلس وخارجها، والثاني يكني «أبو المنذر»، وله هيمنة على كثير من قادة المتطرفين.

وفي يوم من أيام الشتاء في العاصمة، تحدث «أبو حازم» بلهجة حادة مع «أبو المنذر» رغم أن الأخير أعلى منه رتبة. وقال له غاضبا، بالنص: «أنا لست فوطة يمسحون بها العفن». وأثارت هذه الطريقة في الكلام حفيظة «أبو المنذر»، لكن صاحبه واصل التعبير عن نفاد صبره، على ما يبدو؛ إذ زاد موضحا أن سبب سخطه هو «موضوع أموال قذاف الدم.. أنا لم آخذها كلها، وأنا أقل المجموعة نصيبا». ثم ذكر أسماء من يعتقد أنهم تقاسموا النصيب الأكبر من المبلغ، وهم: عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وشخصية إخوانية أخرى (عينته حكومة الإخوان سفيرا لليبيا في الخارج)، وقيادي إخواني ثالث من مصراتة، بالإضافة إلى مسؤول مصرفي ليبي وقيادي رابع في «الجماعة الليبية المقاتلة».

وحاول «أبو المنذر» تهدئة «أبو حازم»، لكن هذا الأخير واصل تساؤلاته وسط حالة الغضب نفسها: «لماذا الانتقائية في الزج بالأسماء؟». وهنا يتضح، من خلال ما جرى رصده من مقابلات بين الطرفين، أن القائد المشار إليه في «لواء الصمود»، يضغط على «أبو حازم»، لكي يخبره عن مصير الملياري دولار، باعتبار أن «أبو حازم» هو المسؤول في «الجماعة المقاتلة» عن التعاون مع الإخوان في ما يتعلق بالعمليات الخارجية، ومنها عملية استعادة قذاف الدم من مصر في ذلك الوقت.

وفي اللقاء نفسه، لم يقتصر «أبو حازم» على ذكر مبلغ الملياري دولار ومن أخذ، وكم أخذ، لكنه انفجر في وجه «أبو المنذر»، على غير العادة، وقال له أيضا إن هناك شخصيات أخرى حصلت على أموال بالمليارات تحت تسميات جلب أسلحة من الخارج، وإنه لم يصل منها شيء طوال الأعوام الأربعة الماضية.. «فلماذا تسألونني عن الملياري دولار، بينما لا تسألون عمن أخذوا أموالا أكثر منها بكثير». وذكر أن فلانا (كان مسؤولا في الجيش أيام حكم الإخوان لليبيا، ثم عينه الإخوان سفيرا لليبيا في الخارج) أخذ ثلاثة مليارات دولار، وفلانا (عقيد سابق، كان مسؤولا في الجيش أيام الإخوان أيضا) أخذ أربعة مليارات دولار، وفلانا (مسؤول سابق في الجيش أيام الإخوان أيضا) أخذ ثلاثة مليارات دولار.

وأضاف «أبو حازم» أن صرف كل هذه الأموال كان بحجة جلب سلاح ومعدات.. «أين هو هذا السلاح وهذه المعدات التي دخلت ليبيا.. أين السبعة مليارات التي خصصت للجيش، وأين الثلاثة مليارات التي خصصت للشرطة؟».

وفي الوقت الحالي يهدد «أبو حازم» وعدد من قيادات «الجماعة الليبية المقاتلة» بقلب الأمور «رأسا على عقب». ومعظم من هم في واجهة الأحداث يخشون من ملاحقات محلية ودولية في حال استقرت الأمور في البلاد مستقبلا. ويرى الزعماء المعروفون للأوساط العامة أن هناك كثيرا من الشخصيات التي حصلت على نصيب الأسد من الثروة الليبية بعد «ثورة 17 فبراير (شباط، وهي تعمل من وراء الكواليس ولا يعرفها أحد وقد تنجو، بينما يتعرض آخرون للمساءلة.

وتذكر وثيقة أخرى غضب قيادي في «الجماعة المقاتلة» لهذا السبب، قائلا لزميل له في «الجماعة» في لقاء بأحد الفنادق التي تطل على كورنيش طرابلس: «أنت تعلم كيف جرى توزيع الأموال. أنا لست خائفا، لكن هم أخذوا الكثير، ويستمتعون بحياتهم، بينما أنا في الواجهة. هم يأكلون، بينما أنا أنظف السفرة. هذا لم أقم به حتى في أيام الجهاد في خارج بلادي (في أفغانستان). هذا عيب.. عيب كبير. والله نقلبها على رؤوسهم». وهدد هذا القيادي أيضا بفتح ملف قال إن اسمه «ملف المائة مليار دولار» التي أوضح أن قيادات من الإخوان ومن «الجماعة المقاتلة» منحتها لعدة دول مقابل ديون دعم «ثورة فبراير».

ويأتي بالتزامن مع المحاولات البائسة لتسوية أموال تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، محاولات أخرى على الزعامة في غرب البلاد، بين قادة المتطرفين، حيث تشهد تلك المنطقة تحولات دراماتيكية في الولاءات والتحالفات. ومن بين حلقات التواصل التي تمكنت «الشرق الأوسط» من الاطلاع على تفاصيلها، محاولات المدهوني زيادة نفوذه في طرابلس لكي يعزز موقفه في حال دخل في تحالف مع باقي المتطرفين سواء من ميليشيات الإخوان أو «الجماعة المقاتلة». وفي لقاء جمعه مع عضو في «المؤتمر الوطني» يبلغ من العمر خمسين عاما، ومحسوب على تنظيمي «المقاتلة» و«القاعدة» في طرابلس وهو من مواليد جنوب ليبيا، يبدو أن المدهوني يحاول استقطاب هذا الرجل، لكي يكون من الموالين لـ«داعش» الآخذ في التمدد في العاصمة.

يقول له المدهوني في لهجة استرضاء: «أنا أعرف أنك صاحب صاحبك.. وأنك شهم، وهذا هو الذي أعرفه فيك». ويذكر له علاقته القديمة مع شقيقه الذي كان بمثابة نائب لأيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة. ثم يضيف معاتبا: «ولكن سبحان المغير الذي لا يتغير»، فيجيبه عضو المؤتمر الوطني مطمئنا: «تأكد أنني ما زلت مثلما كنت».

بيد أن المدهوني، زعيم «داعش» الجديد في غرب البلاد، وبحسب الوثائق التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط» من مصادر أمنية تراقب تحركات المتطرفين في ليبيا، يواصل توجيه العتاب لعضو المؤتمر الوطني، قائلا له: «لا.. أنت تغيرت.. تغيرت نحو الأسوأ للأسف. سوف أبدأ معك من قديم.. جلبت المخدرات وشاركت أبو سيف (وهي كنية أحد أطراف حوار الصخيرات)، وتركناك، واعتبرنا الضرورات تبيح المحظورات».

وحاول عضو المؤتمر الوطني أن يقاطعه، لكن المدهوني أظهر قوته وسطوته على ما يبدو؛ إذ هدد بفض الحديث بينهما إذا لم ينصت له. وحين رضخ، واصل المدهوني فتح الملفات، وقال له: «أدخلت حبوب هلوسة من المغرب لطرابلس لصالح فلان (ذكر له اسم قيادي في الجماعة الليبية المقاتلة) ونص الشباب ضاع. ومع ذلك غضينا الطرف عنك وعنه. أدخلت سلاح من السودان (لثلاث قبائل في جنوب ليبيا ذكرها بالاسم)، ومع هذا لم نتحرك ضدك».

واستمر في إحصاء كثير من الوقائع بما فيها تسهيله تحركات مجموعات من السلفيين، وإدخال مقاتلين أفارقة إلى ليبيا، وتهريب أسلحة إلى مالي، وبيع معلومات لدول أخرى، وتحويل مسارات عناصر من المتشددين قادمين من دول عربية وأجنبية للقتال في صفوف «الجماعة الليبية المقاتلة» وإقناعهم بأن فكر «الجماعة» هو نفس فكر «داعش». وأضاف: «كل ما قمت به مسجل عندي بصوتك وصوت جماعتك. لا تقل لي إنه لم يحصل».

ورد عضو «المؤتمر الوطني» على اتهامات المدهوني بالنفي، وبأنه لا علاقة له بما ذكره. وأضاف: «إن حدث كما تقول، فقد حدث، لكن في سياق واحد وليس فيه تجاوز.. ولا نكران عهد، لكن أنتم تغير تفكيركم على الرجال، وصارت الأفكار تصب عليكم من الرمادي ومن بغداد، ولم تعد أفكارنا وثقتنا ببعض مثل الأول». وبحسب الوثائق التي رصدت العلاقة بينهما، فما زالت خطوط الاتصال قائمة بين الرجلين.

والغريب أن المدهوني ظهر أن له معاملات أيضا مع «أبو سيف» أثناء حديثه مع عضو «المؤتمر الوطني». وتقول الوثائق ومصادر على علاقة بمتطرفي ليبيا، إن «أبو سيف» قابل المدهوني بعد انتهاء حوار الصخيرات، وأنه غمره بكلمات الولاء حين تحدث معه، قائلا له: «يا مرحبا بك. زادك الله عزة ونصرة وعلوا. والله مشتاقين.. أنت لا تقول أسلم على أخي، ونسمع منه ونعرف أخباره». وهنا رد عليه المدهوني بلهجة ساخرة، وفقا لمصادر في العاصمة طرابلس: «قلت إنك قد تكون مشغول مع السراج وحكومته النصرانية، وانتظرت حتى تفيق من غيبوبتك وتعود لرشدك».

وقدم الرجل فروض الولاء لزعيم «داعش»، وقال له إن وجوده مع أطراف حكومة السراج مجرد «شغل حتى يثقوا بي». ووعد المدهوني بتقديم تقرير كامل عما جرى في الصخيرات، وما سيجري بعدها، وما تخطط له حكومة الوفاق الوطني. وأكد للمدهوني قائلا: «أنا جندي معك.. لا تهتم بالمظاهر، ولا بما ترى.. قلبي معكم، ولا أريدك أن تزعل مني، ولا تأخذ على خاطرك، فأنتم ملجأي».

واختتم الطرفان المقابلة بالاتفاق على شحنة أسلحة لصالح جماعة المدهوني، كان قد وصل 60 في المائة منها بالفعل إلى سواحل طرابلس، وتتكون من ألغام وقنابل وأسلحة متوسطة، بما قيمته سبعة ملايين وسبعمائة وثلاثون ألف دولار. وقال «أبو سيف» إنه سوف يرسل رجلا من أتباعه يدعى «علام» لأخذ المبلغ، مع انتظار شحنات أسلحة أخرى في الطريق بعشرات الملايين من الدولارات.

وتبدو «الجماعة المقاتلة» موجودة بطريقة أو بأخرى في مسألة تمويل جماعة المدهوني وطرابلس بالأسلحة، عبر خط واحد وسمسار بالاسم نفسه، وتشترك في العملية عصابات تهريب أسلحة تنشط بين إسبانيا والمغرب، وتصل إلى السواحل الليبية بين وقت وآخر. وفي آخر شحنة من هذا النوع، أعطى «أبو حازم» أوامره، قبل أسبوعين فقط، بإنزال شحنة جديدة للقاعدة البحرية في طرابلس.

يوميات الفوضى في ليبيا (1 من 5): «أشباح إجدابيا» يثيرون الفزع في منطقة الهلال النفطي

مسلحون من {داعش} يتحركون بالقرب من منطقة الهلال النفطي في جنوب شرقي مدينة سرت
مسلحون من {داعش} يتحركون بالقرب من منطقة الهلال النفطي في جنوب شرقي مدينة سرت

خليط من أمراء الحرب يضم دواعش وفيدراليين

التردد على حقل تبستي النفطي، في جنوب شرقي صحراء سرت ليس سهلا. العمال والمهندسون يعتمدون على طائرات صغيرة لتجاوز النقاط التي يسيطر عليها تنظيم داعش في ليبيا. في يوم من الأيام جاء صوت من الحقل النفطي المجاور بعد أن سيطر عليه التنظيم المتطرف، عبر جهاز اللاسلكي إلى حقل تبستي الذي يبعد عنه نحو مائة كيلومتر: «الدولة الإسلامية سيطرت على الحقل. نحن في الطريق إليكم أيها المرتدّون».

حين بدأت خطة للإجلاء والهروب، كانت اثنتان من الطائرات الأربع، معطلتين وتحتاجان إلى صيانة. لا توجد سيارات. وانتشرت حالة من الهلع. واستغرق الأمر نصف نهار لكي يصلح المختصون مروحة في موتور الطائرة الأولى وترميم خرطوم البنزين في الطائرة الثانية.

رغم محاولات المجتمع الدولي وعدة أطراف ليبية وضع حد للفوضى التي تعاني منها البلاد، فإن التحديات تبدو أكبر من مجرد اللقاءات والحوارات والحلول السياسية. توجد قوات على الأرض تديرها جماعات مختلفة، يقدر عددها بمئات الجماعات. لكن الأمر الخطير الذي يمكن أن يدفع بالبلاد إلى مزيد من دوامة الحرب الأهلية يكمن في نحو خمسة تجمعات شبه عسكرية كبرى، تنتشر في مناطق جغرافية محددة في عموم البلاد، وتتميز بالدعم المالي والتسليح الجيد مع وجود أجهزة لدى كل منها مماثلة للأجهزة الأمنية والاستخباراتية المعروفة في الدول. يمكن أن تقول إن كل مجموعة تشكل دويلة صغيرة لها قيادات وجنود وأهداف ليست محلية فقط، ولكنها عابرة للحدود أيضا.

وفي هذه الحلقات تسلط «الشرق الأوسط» الضوء على الفوضى التي ساعد على ظهورها واستمرارها أمراء حرب ولصوص وميليشيات وكتائب ظهرت من مختلف التوجهات، عقب رحيل نظام معمر القذافي، سواء في طرابلس أو مصراتة أو درنة أو سرت وبنغازي، إلى جانب الوضع البائس للجيش الوطني الليبي الذي يقوده الفريق أول خليفة حفتر، إذ إنه يعاني من نقص في التسليح وفي العتاد وفي الجنود، خصوصا أمام جحافل المتطرفين المتحصنين في ثلاث ضواحٍ رئيسية في بنغازي، ثاني أكبر المدن الليبية، وأمام قوى الميليشيات المسيطرة على العاصمة وعدة مدن أخرى.

هل سمعت عن «داعش» في سرت؟ نعم. لقد تمدد التنظيم في هذه المدينة، مسقط رأس القذافي، والمكان الذي قتل فيه أيضًا في خريف عام 2011. ظهر التنظيم الدموي هنا العام الماضي، وانطلق من هذه المدينة للسيطرة على الهلال النفطي. المشكلة لا تتعلق بتمركز «داعش» في سرت فقط، ولكن في العلاقات الخفية التي ظهرت في الشهور الثلاثة الماضية بين عناصر التنظيم وقوة شبه عسكرية تسيطر على مناطق في إجدابيا، وهي أول مدينة كبيرة تقع على بعد 400 كيلومتر شرق سرت.

هل تتذكر الاجتماعات التي كانت تعقد في إجدابيا للمطالبة بالحكم الفيدرالي في ليبيا، ومنح برقة، الإقليم الشرقي من البلاد، ما يشبه الحكم الذاتي؟ لقد ظهرت تلك الدعاوى بعد أن انشق آمر المنشآت النفطية بقواته في تلك المنطقة، ويدعى إبراهيم، عن الحكومة التي كانت ما زالت مركزية في العاصمة طرابلس برئاسة الدكتور علي زيدان. يزعم آمر هذه المنشآت أن لديه عشرين ألف مقاتل. وأغلق غالبية موانئ تصدير النفط بزعم أن جماعة الإخوان التي كانت تهيمن على حكومة زيدان تقوم بسرقة النفط لصالحها. وبعد أن صوت الناخبون الليبيون في صيف عام 2014 للبرلمان الجديد الخالي من الأغلبية الإخوانية، ورغم منح هذا البرلمان الثقة لحكومة عبد الله الثني غير الإخوانية أيضا، فإن معظم موانئ التصدير هناك ما زالت مغلقة.

الهجمات الخاطفة على حقل الغاني التي بدأت مطلع العام الماضي وما تلاها من هجمات على حقول نفطية أخرى صغيرة منتشرة في الهلال النفطي، حتى الآن، كانت تنذر بأن «داعش» ينتفخ ويدور ويكبر مثل العاصفة الرملية. قتل من قتل من مهندسين وموظفين ليبيين وعرب وأجانب، واستولى على سيارات ومعدات وأجهزة حواسب عليها معلومات مهمة، وسرق أجهزة الاتصالات (موجات البث بالراديو) التي يصل مدى الواحد منها إلى نحو ألف كيلومتر مربع. وكل من يجده من حراس المنشآت النفطية (الفرع التابع للجيش) يذبحه ثم يعلقه على الصواري، ويشعل النيران في الحقل ويمضي. وبعد ذلك وصل، كما شاهد العالم أخيرا، إلى ميناء رأس لانوف نفسه.

السؤال الذي ظهر بين المهندسين الليبيين المذعورين، عقب الهجوم الذي شنه «داعش» سرت على المنشآت النفطية وعلى ميناء رأس لانوف وحرق خزانات النفط فيه قبل أسبوعين، هو كالآتي: لماذا لم تقاوم القوات التي يزعم آمر المنشآت النفطية أنه يملكها في غرب إجدابيا الهجوم الداعشي؟ وأين قوات الجيش الوطني؟ الواقع على الأرض في تلك المنطقة، أي في مدينة إجدابيا وما حولها، يلخص كل شيء تقريبا. تنقسم المدينة إلى منطقتين للنفوذ. منطقة الشرق وتهيمن عليها قوات موالية للجيش الوطني. وغالبية المنخرطين في هذه القوات من قبيلة زوية. أما القسم الغربي من المدينة فتهيمن عليه قوات تابعة لآمر المنشآت النفطية الذي يبدو أنه مستمر في العمل لحسابه الخاص، وله تصريحات هجومية ضد الفريق أول حفتر. ويوجد نشاط في القسم الغربي أيضًا لتنظيم داعش، من خلال القيادي الداعشي المدعو أسامة، وهو شقيق إبراهيم، آمر المنشآت نفسه. وأكثر المنخرطين في القسم الغربي من المدينة ينتمون إلى قبيلة المغاربة. أما عميد بلدية إجدابيا فيدعى سالم، وهو الشقيق الثالث للأخوين الفيدرالي إبراهيم والداعشي أسامة.

ويقول أحد ضباط الأمن الليبيين إن القسم الغربي من إجدابيا يبدو تحت سيطرة خليط مبهم يضم دواعش وفيدراليين وأمراء نفط ولصوص ينهبون المعدات الحكومية والخاصة، أو من يطلق عليهم بعض المهندسين الذين فروا بأعجوبة من حقلي الغاني وتبستي «أشباح إجدابيا». وبعد هروب العمال من تبستي، كرر «داعش» الهجوم على مواقع أخرى. قام بتفجير الخط الطويل الذي ينقل الزيت النفطي الخام من حقلي البيضاء وتبستي، إلى الخزانات العملاقة في ميناءي الهروج والسدرة. وأخذت الفوضى تضرب المنطقة النفطية الشاسعة الممتدة من البريقة إلى سرت.

يوجد في ليبيا جهاز لحراسة المنشآت النفطية تابع للجيش، لكن توجد مخلفات تركتها أيام هيمنة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة على حكم ليبيا منذ رحيل القذافي وحتى منتصف عام 2014. ومن هذه المخلفات، الميليشيات الخاصة التي تقوم بحراسة المنشآت، مثل الميليشيا التي يترأسها إبراهيم في إجدابيا وكان يسعى من خلالها لفرض الحكم الفيدرالي في شرق البلاد. وهو موضوع يرفضه على ما يبدو غالبية الليبيين في الشرق، وبالتالي اختفت دعاوى الفيدرالية بينما أصبحت هذه الميليشيا تضغط للحصول على مكاسب، وتقيم علاقات غامضة مع باقي القوى بما في ذلك تنظيم داعش، كما يقول أحد ضباط الجيش الليبي في شرق إجدابيا.

ويضيف: «قوات إبراهيم موجودة في غرب إجدابيا، فلماذا لم تقف ضد (داعش)؟»، مشيرا إلى أن قوات «داعش» لم تهدأ طوال الأيام الماضية، وهي دائبة التحرك نهارا جهارا قرب المناطق النفطية في زلة ومرادة وحقل 103 وحقل المبروك وحقل تبستي وحقل الناقة وغيرها. وبينما كان «داعش» يشن هجماته على حقول النفط، كان القيادي الداعشي أسامة يأمر بإخلاء مستشفيات تقع في القسم الغربي من إجدابيا لعلاج جرحى التنظيم المتطرف سقطوا في ضربات بالطيران نفذها الجيش الليبي. وكان من بين الجرحى عناصر داعشية، ثلاثة تونسيين ومصريان وجزائري واحد.

ومن صفات الداعشي أسامة أنه صغير السن (أصغر من إبراهيم)، في العقد الثالث من العمر. وكان يعمل في الحرس الثوري، وهو من الأجهزة الأمنية التي كان يعتمد عليها القذافي في حكمه. ويقول أحد المقربين من هذا الشاب إنه أصبح قائدا ميدانيا لدواعش سرت وله لحية طويلة، ويقوم بين حين وآخر بزيارات لشقيقيه سواء آمر المنشآت المنشق، أو عميد بلدية إجدابيا. ويضيف أن علاقة الأشقاء بـ«داعش» أغضبت القبيلة التي ينتمون إليها، ولهذا عقدت اجتماعا لهذا الغرض، وأن أسامة وأخويه قالوا في الاجتماع إنهم لا علاقة لهم بـ«داعش» وأن أسامة لن يذهب إلى سرت مرة أخرى.

ويضيف قائد عسكري في شرق إجدابيا إن المدينة الآن منقسمة بين الدواعش والجيش. الجيش تحرك بعد أسبوعين من الاغتيالات التي قام بها المتطرفون ضد جنوده هناك، أما في الجهة الغربية حيث اتجاه سرت واتجاه الحقول النفطية فهذه المنطقة يسيطر عليها الدواعش. ولا توجد خطوط فاصلة بين جانبي المدينة. ولهذا تقع اشتباكات واغتيالات بين وقت وآخر. ويقول إن الآمر إبراهيم، حتى الآن، لا يظهر في الواجهة من هذا الصراع، بينما شقيقه أسامة ما زال يتردد على دواعش سرت.

حراسة المنشآت النفطية مثلها مثل بلدة إجدابيا، منقسمة بين موالاة الآمر إبراهيم وموالاة الجيش. وكل منهما يحصل على أجور من خزينة الدولة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. ويقول أحد المسؤولين المحليين: «رغم مشكلة (داعش) ورغم إصرار إبراهيم على إغلاق قواته لمرافئ التصدير المهمة التي تقع تحت يديه، فإن القضية الأساسية التي تؤخر حسم هذه المشكلة تكمن في انتماء قطاع من حراسة المنشآت التابعة لإبراهيم لقبيلة المغاربة، وانتماء قطاع من حراسة المنشآت التابعة للجيش لقبيلة زوية».

ويضيف: «تقيم هاتان القبيلتان في نطاق جغرافي متقارب، من أول إجدابيا ومنطقة شخرة، إلى جالوا وأوجلة وحتى الكفرة جنوبا.. وأي محاولة لحسم الانقسام بين حراسة المنشآت ربما سيؤدي إلى اقتتال قبلي، وهذا ما لا يريده الجيش.. منذ سنوات وهم يفاوضون إبراهيم من أجل فتح الحقول، سلميا ودون قتال، لكنه يرفض، وأخيرا بدأ يتحدى قيادة الجيش نفسه».

وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع آمر المنشآت إلا أن الرد من مكتبه كان في كل مرة يقول إنه مسافر خارج البلاد. وتقول المصادر الأمنية في إجدابيا إن إبراهيم كان موجودا في تركيا أثناء هجوم «داعش» على ميناء السدرة وعلى الحقول النفطية في الأيام الأخيرة.

وبرز في منطقة الهلال النفطي قادة يقيمون في إجدابيا، ولديهم علاقات مع دول مختلفة، ويقوم بعضهم بزيارات بالطائرات إلى بلدان في المنطقة. وكان أحد هؤلاء القادة يدير قبل سقوط نظام القذافي محلا لألعاب الفيديو للصغار في إجدابيا. وأصبح اليوم يدير شركات وأموالا بملايين الدولارات، مع ممتلكات في لبنان واليونان، تتنوع ما بين مزارع التفاح والفيلات وشركات النفط.

ورصدت الجهات الأمنية الليبية قيام أحد القيادات المحلية التي تدير ميليشيا في إجدابيا، ولها علاقات مشبوهة مع دواعش سرت، بالشروع في بناء قصر ضخم يقع في القسم الغربي من المدينة.. «موجود في المدخل الغربي من إجدابيا، وفي نفس الوقت يطل على الطريق الصحراوي الجنوبي المتجه إلى طبرق.. مساحة القصر على أرض تزيد مساحتها على ألفي متر مربع، وتبلغ كلفة المنشآت المبدئية للقصر نحو مليوني دولار».

منذ أواخر عام 2014 ومرورا بعام 2015 لم تكن عشرات الحقول النفطية تعمل بكامل طاقتها، بسبب الخلافات السياسية وحروب الميليشيات، بل إن بعضها كان متوقفا عن الإنتاج، وظل يقيم فيه، مع ذلك، بعض الحراس وبعض المهندسين. لقد غادرها الغالبية العظمى من المختصين الأجانب خوفا من الفوضى، خصوصا بعد تمدد «داعش» في المنطقة. من بعيد، في الصحراء الواقعة جنوب خليج سرت، وبعد منطقة مرادة بقليل، توجد آثار سيارات الدفع الرباعي لمقاتلي «داعش» القادمين من دول عربية وأفريقية.

للوصول إلى قلب الهلال النفطي، من الشرق، وعن طريق البر، لا بد أن تخرج من إجدابيا وصولا إلى منطقة البريقة.. من هناك يوجد شارع يهبط جنوبا ويصل إلى واحة الكفرة، اسمه طريق 110. هذا الطريق لم يكن في الإمكان أن يسير فيه أحد إلا إذا كان معه تصريح، لأنه طريق خاص بحقول النفط. كان في أيام حكم القذافي مغلقا بالأسلاك الشائكة، وفيه حواجز للجيش. وبعد انتشار «داعش» في تلك المناطق جرى منع التردد على الحقول بالسيارات، والاكتفاء بالتنقل بالطائرات الصغيرة التي تحمل من ثمانية إلى عشرة أفراد.

الميليشيات والدواعش سرقوا غالبية المعدات من حقول الهلال النفطي. ويقول ضابط في الجيش: «السرقة جرت تحت حماية الميليشيات والمتطرفين.. ومن قام بها إما عناصر تابعة لهم وإما عناصر تعمل لصالحهم.. وعلى هذا تم نهب الحقول القريبة من مناطق مرادة ومزدة وزلة، سرقوا أجهزة الاتصالات والمكاتب والمكيفات وما خف وزنه، أما السيارات فقد تعرضت للسرقة منذ البداية».

وكان مسؤولو حقل تبستي، حين شعروا بالخطر من سرقة ما لديهم، قد نقلوا السيارات الكبيرة وسيارات الإسعاف وغيرها إلى حقل الآمال الواقع جنوب إجدابيا. ويقول أحد المهندسين الذين عملوا في تبستي: «أمام هذا الخطر أبقينا فقط على المعدات الخفيفة والضرورية للعمل. كان عددنا في الحقل 49 موظفا من بيننا أربعة فلبينيين كانوا قد غادروا منذ وقت مبكر للأحداث.. وكان معنا من العرب سبعة مصريين بينهم ثلاثة يعملون كـ(هاوس بوي) وواحد مشرف للعمال. كان هناك مهندسون تونسيون لكنهم كانوا قد رحلوا مع بداية أحداث العنف».

ومع ذلك استمر الفنيون الليبيون في العمل حتى وقت قريب رغم المخاطر. وفي أحد الأيام هبطت الطائرة في الحقل. كان الوقت مساء. سرعة الطائرة لم تكن تتجاوز 130 كيلومترا في الساعة، مع أن سرعتها القصوى تزيد على مائتي كيلومتر في الساعة. إنها تشبه السيارة، لكن صوتها مرتفع. يوجد في الحقل نحو 25 بيتا مبنيا بالحجارة، وعدة كرفانات للمبيت أيضا. ومكاتب مجاورة تضم إدارات فنية وقسما للسلامة وآخر للاتصالات. من النافذة ترى أشجارا مبعثرة هنا وهناك وتعطي روحا للمكان الذي تحيطه رمال الصحراء من كل مكان. وبالقرب من مدخل الحقل يوجد مركز لصيانة الطائرات الأربع التي تتردد على الموقع.

داخل مكتب قسم الاتصالات فرغ المهندس، ويدعى عبد الله، من إبلاغ محطة رأس لانوف بتقارير الضخ الخاصة بالحقل. ومن رأس لانوف كان يجري الضخ في بعض الأحيان في البواخر الراسية في الميناء. ويحمل المهندس نفسه جهاز لاسلكي اسمه «لونج راديو» يغطي مساحة ألف كيلومتر مربع، وهو جهاز باهظ الثمن تصل قيمته إلى أكثر من عشرين ألف دولار، ويربط حقل تبستي بباقي حقول الهلال النفطي. في الصباح جاءت مكالمة من حقل الجفرة الذي يبعد بنحو 400 أو 350 كيلومترا. وقال المتحدث: «سمعنا عن مشكلة. ماذا حدث؟ هل لديكم أي معلومات عن اقتراب (داعش)؟».

وبدأ عبد الله في الاتصال بباقي الحقول، لمعرفة ماذا يجري، لكن لم يرد عليه أحد. وقفز إلى ذهنه ما قام به «داعش» في حقل الغاني.. لقد استولى التنظيم المتطرف على الحقل هناك وذبح عددا من العمال والمهندسين. وجاء صوت أحد الدواعش عبر اللاسلكي: «دولة الإسلام قادمة.»..

ويقول عبد الله إنه لم يكن يصدق ما يسمع. وارتدى حذاءه قبل أن يرتدي بنطاله من شدة الهلع. وخرج وهو ينادي على زملائه بأن «داعش» يقترب من الحقل، وأن عناصر التنظيم في الطريق إلى حقل مسلة، ثم إلى حقل القطرون، «وبعد ذلك يصلون إلينا في تبستي». ويضيف: «حين سمعت في اللاسلكي أن حقلنا موجود في خطتهم للسيطرة على الحقول النفطية، سلام يا صديقي.. بلّغت مراقب الحقل، فقال: إخلاء فوري».

ويضيف: «كان لدينا طائرتان متوقفتان عن العمل، إلى جانب طائرتين تعملان. وجرى على الفور عمل صيانة للطائرتين المتوقفتين، وبدأت الطائرات الأربع في عمل الإجلاء الفوري للعاملين في الحقل»، مشيرا إلى أن «المفروض الذي يحمينا هو حرس المنشآت التابع للحكومة في شرق البلاد. الدواعش حين يصلون إلى حقل من الحقول لا يبحثون عن الموظفين أو عن المهندسين ولكن يبحثون عن حرس المنشآت التابعين للجيش. يذبحون أي شخص يرتدي ملابس حرس المنشآت الموالية للقوات المسلحة بقيادة حفتر، أو أي شخص يعرفون أنه يعمل تبع القوات الحكومية الشرعية».

في حقل الغاني ثم في حقل آخر مجاور، ألقى «داعش» القبض على مجموعة كبيرة تتكون من نحو 21 شخصا من العمال والمهندسين. حققوا مع مراقب الحقول وكان اسمه المهندس الزلاوي. وتركوه. وحققوا مع مهندس ثانٍ بعد أن ربطوا يديه وعصبوا عينيه، فمات بالسكتة القلبية من الخوف في مكانه. ماذا يعني أن يربط «داعش» يديك ويعصب عينيك غير أنه يريد أن يذبحك؟ كان هذا الرجل مديرا عاما للحقل، وهو ليبي الجنسية. حققوا مع الباقين وتركوهم. مراقب الحقول قالوا له تعالَ اعمل معنا واغنم معنا، وغنائم الكفار حلال لكم. لكنه رفض. رجل آخر من بلدة زلة ممن جرى التحقيق معه وعيناه معصوبان أصيب بحالة نفسية مثل الهستريا وأصبح يتحدث مع نفسه، ولم ينفع معه علاج رغم أن أسرته نقلته للعلاج في الخارج.

وما زال يوجد في حقل تبستي عدد من الموظفين لكن ليس فيه عمل. العمل متوقف. والطعام يأتي عن طريق طائرة. تأتي بتموين يكفي أسبوعا أو أسبوعين وترجع. وهي تنطلق إلى هناك من حقل الآمال. والشركة التي تدير العمل هي شركة الهروج للنفط. كان اسمها من قبل شركة فيبا. وهي كانت أصلا شركة كندية حتى أواخر الثمانينات، ثم أخذتها الشركة الوطنية للنفط وسمتها شركة الهروج.

كانت ليبيا قبل مقتل القذافي تنتج نحو 1.6 مليون برميل يوميا، بينما أصبح متوسط الإنتاج اليوم يدور بين 200 ألف و300 ألف برميل يوميا. وإذا وضعت في الاعتبار الانخفاض الكبير لأسعار النفط في الأسواق العالمية، فعليك أن تتصور مدى الخسائر الاقتصادية التي يتعرض لها هذا البلد. فالرواتب متأخرة مع معاناة في وصول السلع، وارتفاع في أسعار غاز الطهي وانقطاع متكرر للكهرباء. وذعر في التنقل بالسيارات عبر الطرق السريعة بسبب الانفلات الأمني.

الحقول الصغيرة التي تحت يد شركة الهروج في الهلال النفطي تنتج 80 ألف برميل في اليوم تقريبا. وهناك شركات أخرى كانت تعمل في المنطقة حتى وقت قريب. وحقل تبستي يعد من أصغر هذه الحقول، إذ ينتج في اليوم ما بين ستة آلاف إلى ثمانية آلاف برميل. لكن غالبية هذه الحقول متوقفة الآن.

وتقول المصادر الأمنية إن «داعش» يريد السيطرة على الهلال النفطي. والتنظيم في الوقت الحالي يسيطر على المنطقة من سرت إلى بن جواد. ويضيف ضابط في الجيش الليبي: «سرت فيها شركة لتصنيع الغاز، والدواعش يسيطرون عليها الآن. هم يريدون السيطرة على ميناء السدرة الذي يضربونه منذ عدة أيام. ضربوا خزانين للنفط. حمولة الخزان نحو 100 ألف برميل. الخزان الواحد وملحقاته تبلغ كلفة بنائه ملايين الدولارات. كل هذا تم تدميره. نصف مليار دولار جرى حرقه في ساعات».

ووجه «داعش» ضربات إلى ميناء السدرة لأول مرة، ثم تراجع حتى البوابة الغربية، تحت مقاومة حرس المنشآت التابع للجيش الوطني. وهم، أي الدواعش، وفقا لشهود عيان «يتمركزون على بعد 10 كيلومترات، ومعهم أسلحة للقنص، وهي بنادق يصل مداها إلى 7 كيلومترات. من أين أتوا بهذا النوع من الأسلحة؟ لا نعرف. وأي أحد يظهر على البوابة يتم ضربه».

الاتحاد الاوروبي يعرض خطة عمل لمكافحة تمويل الارهاب

سيلين لوبريو, سيلين لو بريو | وزير المالية الفرنسية ميشال سابان في الاليزيه في 1 شباط/فبراير 2016
سيلين لوبريو, سيلين لو بريو | وزير المالية الفرنسية ميشال سابان في الاليزيه في 1 شباط/فبراير 2016

تقدم المفوضية الاوروبية الثلاثاء خطة عمللمكافحة تمويل الارهاب بطلب ملح من فرنسا بعد موجة الاعتداءات التي شهدتها باريس في العام 2015.

ويعتمد الاعضاء الـ28 في المفوضية خلال جلسة عامة الثلاثاء في ستراسبورغ (شرق فرنسا) “خطة لتعزيز مكافحة تمويل الارهابكما اكد الاثنين الناطق باسم المفوضية الاوروبية مارغاريتيس شيناس.

كما سيطلع نائب رئيس المفوضية اللاتفي فلاديس دومبروفسكيس وسائل الاعلام على مضمونها اعتبارا من الساعة 14,30 ت.غ. في ستراسبورغ.

بعد الاعتداء على صحيفة شارلي ايبدو الفرنسية الساخرة في 7 كانون الثاني/يناير 2015 ثم هجمات 13 تشرين الثاني/نوفمبر في باريس وسان دوني (130 قتيلا)، طالبت فرنسا بشكل خاص باتخاذ اجراءات سريعا.

وفي 15 كانون الثاني/يناير الماضي وخلال اجتماع لوزراء المالية الاوروبيين في بروكسل حث وزير المالية الفرنسية ميشال سابان مجددا الاتحاد الاوروبي على التحرك سريعا في هذا الملف.

وقال يبدو انه يجب اجراء دراسات أثر، لكننا نعرف الأثر، لقد شهدناه في باتاكلان، موقع المجزرة التي حصدت 90 قتيلا في 13 تشرين الثاني/نوفمبر في باريس.

من جهته قال نظيره الالماني ولفغانغ شويبله سابان وانا نعتقد ان الامر استغرق وقتا اكثر من اللزوم“.

واوضح الوزير الفرنسي ان المفوضية الاوروبية ستركز بشكل خاص على البطاقات المدفوعة سلفا والعملات الافتراضية والتي سبق ان تطرق اليها المفوض الاوروبي للاستقرار المالي البريطاني جوناثان هيل.

ويتوقع ان تخضع وسيلتا الدفع هاتين اللتين تستخدمهما الشبكات الجهادية يجب ان لمراقبة مشددة.

تجميد اصول

تعتبر البطاقات المدفوعة سلفا والتي كشف انها استخدمت في التحضير لاعتداءات باريس لتمويل تامين سيارات وشقق للمهاجمين، بديلا عن بطاقات الدفع العادية لا سيما بالنسبة للاشخاص الذين ليست لديهم حسابات مصرفية.

والبطاقات التي تحمل اختام شركات فيزااو ماستركاردوالمزودة برقم سري تتيح لمستخدميها ان يسحبوا الاموال نقدا من اجهزة السحب الالي او الشراء من متاجر او عبر المواقع الالكترونية على غرار البطاقات الائتمانية العادية الصادرة من المصارف.

وهي موزعة اساسا في المصارف وموجهة بشكل خاص الى الاهالي الباحثين عن وسيلة دفع آمنة ومحدودة المبلغ لاولادهم.

اما بخصوص العملة الافتراضية مثل بيتكوينفهي تتيح القيام بصفقات خارج حدود الدول وخارجة عن اي مراقبة للسلطات المالية او اجهزة الاستخبارات عبر الحفاظ على سرية هوية مختلف الاطراف.

ودعا سابان ايضا في منتصف كانون الثاني/يناير الى اتخاذ اجراءات حول تجميد الاصول قائلا في ما يتعلق بتجميد مبان او املاك مثل سيارة او عائدات، لم نقم بكل شيء وهناك ضرورة لاتخاذ قرارات“.

وخطة العمل التي سيطرحها الاتحاد الاوروبي تاتي في اطار شامل من مكافحة تنظيم الدولة الاسلامية على نطاق عالمي. وفي 17 كانون الاول/ديسمبر الماضي تبنى مجلس الامن بالاجماع قرارا يهدف الى تجفيف مصادر تمويل الجهاديين.

والقرار الذي اعدته واشنطن وموسكو يطلب من الدول التحرك بشكل حازم لمنع وصول الاموال او موارد اقتصادية اخرىالى تنظيم الدولة الاسلامية وبينها خصوصا النفط والتحرك لمعاقبة الجهات الداعمة ماليا للتنظيم بشكل اكثر حزما“.

سيلين لوبريو, سيلين لو بريو