تحركت المياه الراكدة في بحر السياسة الليبية خلال الأيام الأخيرة؛ ففي حين توصل أعضاء ملتقى الحوار السياسي أخيراً إلى آلية لاختيار السلطة التنفيذية في المرحلة الانتقالية المقبلة، السابقة على إجراء انتخابات وطنية في ديسمبر من العام الجاري، اتفق أيضاً أعضاء اللجنة الدستورية على إجراء الاستفتاء على مشروع الدستور المقدم من الهيئة التأسيسية، ليكون هو الآلية القانونية التي تستند إليها الانتخابات؛ فيما أعلنت الأمم المتحدة تعيين يان كوبيتش، وزير خارجية سلوفاكيا السابق، مبعوثاً أممياً جديداً إلى ليبيا.

ويوم الثلاثاء، أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا موافقة أعضاء ملتقى الحوار السياسي الليبي على مقترح آلية اختيار السلطة التنفيذية الموحدة للفترة الانتقالية. وقالت إنها أجرت عملية تصويت استغرقت 24 ساعة، وذلك بعد التوصل إلى هذا المقترح خلال اجتماع اللجنة الاستشارية المنبثقة من اجتماع للملتقى في جنيف السبت الماضي.

شارك 72 عضواً من ملتقى الحوار السياسي في عملية التصويت، صوت 51 منهم بالموافقة لصالح الآلية المقترحة، وهو ما يمثل نحو 73% من الأصوات المدلى بها، فيما صوت 19 عضواً ضدها، وامتنع عضوان عن التصويت، ولم يشارك اثنان آخران في العملية. ليتم اعتماد الاقتراح بعدما تجاوز الحد الأدنى المطلوب الذي حددته اللجنة الاستشارية بنسبة 63% من أصوات المقترعين.

كيفية اختيار السلطة الانتقالية
وأوضحت عضوة مجلس النواب، سلطة المسماري تفاصيل هذا المقترح في تصريح إلى «الوسط»، وهي: أولاً: فيما يخص اختيار أعضاء المجلس الرئاسي ويتم ذلك على مرحلتين. المرحلة الأولى: المجمع الانتخابي للإقليم، ويتم الترشح لعضوية المجلس الرئاسي من داخل المجمع الانتخابي لكل إقليم. كما يشترط للتقدم لعضوية المجلس الرئاسي من الإقليم أن يتم الحصول على تزكيات من أعضاء المجمع الانتخابي لكل إقليم، وذلك حسب الأعداد التالية: ثماني تزكيات لكل متقدم من الغرب الليبي، وست تزكيات لكل متقدم من الشرق الليبي، وثلاث تزكيات لكل متقدم من الجنوب الليبي.

يتم التصويت داخل المجمع الانتخابي للإقليم بين المترشحين المتحصلين على التزكيات المطلوبة، ويعتبر «فائزاً وحيداً» بعضوية المجلس الرئاسي عن الإقليم إذا تحصل أي من المترشحين على نسبة 70% من أعضاء المجمع الانتخابي للإقليم. وإذا لم يتحصل أى من المترشحين على نسبة التوافق المطلوبة (70%) يتم إحالة أربعة مترشحين إلى المجمع الانتخابي العام.

المرحلة الثانية، الخاصة بالمجمع الانتخابي العام، ويتم تكوين أربع قوائم تضم (المترشحين للمجلس الرئاسي عن الأقاليم ومترشحاً لرئيس الحكومة) وحسب الاختيارات والتوافق بينهم وحسب التوازن الوارد في خارطة الطريق التمهيدية، ويكون المترشح الفائز بنسبة 70% في المجمع الانتخابي للإقليم هو العضو الممثل للإقليم في القوائم الأربع.

وبالنسبة لرئيس الحكومة؛ فيشترط لمن يترشح لهذا المنصب أن يتحصل على عدد لا يقل عن 17 تزكية من أعضاء المجمع الانتخابي العام. وتتكون كل قائمة من أربعة أفراد من الذين يتم التوافق فيما بينهم، وبمراعاة التوازن الجغرافي المحدد في خارطة طريق المرحلة التمهيدية؛ على أن تشمل كل قائمة: مترشحاً واحداً لموقع رئيس الحكومة من جميع أنحاء البلاد وثلاثة من الأعضاء المختارين لعضوية المجلس الرئاسي من المجمعات الانتخابية للأقاليم (واحد من كل إقليم) وحسب الموقع الذي يترشح له. كما يتم عرض عدد لا يتجاوز أربع قوائم للتصويت عليها في المجمع الانتخابي العام.

وتعتبر القائمة التي تتحصل على 60% من أعضاء المجمع الانتخابي العام من الجولة الأولى هي القائمة الفائزة. ويتم التصويت في جولة ثانية بين القائمتين المتحصلتين على أعلى نسبتي تصويت في الجولة الأولى إذا لم تتحصل أي قائمة على نسبة (60%) المطلوبة للفوز ويكون الحسم بينهما بنسبة (50+1).

وفيما يتعلق برئيس المجلس الرئاسي؛ فيتم اختيار المرشح للمنصب من بين الأعضاء المختارين لعضويته من المجمعات الانتخابية للأقاليم ومن القائمة الفائزة ومن الإقليم المختلف الأكثر عدداً عن إقليم رئيس الحكومة.

فرصة لتجاوز الخلاف
بدورها، أشادت البعثة الأممية بأعضاء ملتقى الحوار السياسي الليبي، الذين شاركوا في عملية التصويت، معتبرة أنهم «تحملوا مسؤولياتهم أمام الشعب الليبي».

وقالت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا بالإنابة، ستيفاني وليامز، إنه في اليوم الذي يصادف الذكرى السنوية الأولى لمؤتمر برلين الدولي حول ليبيا، «اتخذ أعضاء الملتقى خطوة مهمة نحو تنفيذ خارطة الطريق التي تم تبنيها في تونس العاصمة في منتصف نوفمبر الماضي».

وشددت على أنه أمام الليبيين الآن فرصة حقيقية لتجاوز خلافاتهم وانقساماتهم، واختيار حكومة موقتة لإعادة توحيد مؤسساتهم من خلال الانتخابات الوطنية الديمقراطية التي طال انتظارها، مؤكدة أن ما جرى التوافق عليه «سلطة تنفيذية موقتة سيتم استبدالها بسلطة منتخبة ديمقراطياً، بعد الانتخابات في 24 ديسمبر 2021».

وأكدت البعثة أنها تضع حالياً اللمسات الأخيرة على إجراءات واستمارات الترشيح، بالإضافة إلى جدول زمني لعملية التصويت، التي سيتم مشاركتها مع كافة الأعضاء قريباً، فيما ستتولى لجنة من الملتقى التحقق من طلبات الترشيح المقدمة لضمان الشفافية الكاملة.

ورحب المجلس الأعلى للدولة بهذه النتيجة، مشيداً «بروح الوطنية والمسؤولية التي تحلى بها أعضاء الملتقى طيلة هذه الفترة»، داعياً أعضاء لجنة المسار الدستوري إلى بذل مزيد الجهود لإحداث أكبر توافق ممكن في هذا المسار المهم والرئيسي.

إشادة أوروبية
وأوربياً، رحب رؤساء بعثات الاتحاد الأوروبي المعتمدون لدى ليبيا بهذه الخطوة، وأشادوا بوليامز وأعضاء منتدى الحوار السياسي وفريق بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على «جهودهم الدؤوبة وتصميمهم على تحقيق هذه النتيجة المهمة».

وقال رؤساء البعثات الأوروبية في بيان إن القرار «يعد مهماً لتمهيد الأرضية لما يستحقه الشعب الليبي، المتمثل في حكومة انتقالية موحدة تعمل على استعادة الخدمات الأساسية العامة وإعداد البلاد للانتخابات الوطنية التي ستجرى في 24 ديسمبر من سنة 2021».

وأعربوا عن أملهم في «أن ينتقل منتدى الحوار السياسي الليبي الآن بشكل سريع إلى ترشيح سلطة تنفيذية جديدة بالاستناد إلى الآلية المتفق عليها».

كما شجعوا إدماج المرأة ومشاركتها بشكل هادف وكامل في عملية إرساء السلام، مؤكدين دعمهم مشاركة المرأة السياسية الفاعلة في جميع جوانب عملية السلام والحوكمة المستقبلية في البلاد. وجددوا أيضاً تأكيدهم على «مسؤولية الأطراف المعنية الرئيسية في ليبيا في المضي قدما نحو إرساء الاستقرار في البلاد والعمل من أجل تحقيق المصلحة العامة لجميع الليبيين». داعين «جميع القادة الليبيين إلى اغتنام هذه الفرصة بروح توافقية لإيجاد حل سلمي مستدام».

وشدد رؤساء البعثات الأوروبية على «أن ليبيا في حاجة إلى اتخاذ قرارات عاجلة لتعزيز وقف إطلاق النار وتحقيق الاستقرار وإعادة تحريك عجلة الاقتصاد واستعادة الخدمات العامة وتحسين الظروف المعيشية للشعب الليبي».

وجددوا تأكيدهم على الوقوف إلى جانب «الغالبية العظمى من الليبيين الذين يرفضون الوضع الراهن ويرفضون أي خيار عسكري أو خيار يتسم بالعنف لتسوية الأزمة والقضاء على الإرهاب»، ورفضهم «جميع التدخلات الأجنبية»، داعمين «استعدادهم للعمل يداً بيد».

اعتراض من «قوة حماية طرابلس»
غير أن هذه الخطوة لم تلقَ استحساناً لدى «قوة حماية طرابلس والمنطقة الغربية»، التي أكدت رفضها مخرجات وطريقة التصويت، متهمة أعضاء البعثة ووليامز بـ«الضغط والاستهتار بمصالح الشعب الليبي» والتدخل لتوجيه مسارات الحوار.

و«قوة حماية طرابلس» هي ائتلاف للمجموعات المسلحة الرئيسية في العاصمة الليبية التي تضم قوة الردع الخاصة وكتيبة النواصي وكتيبة ثوار طرابلس والأمن المركزي أبوسليم.

وقالت في بيان وجهته إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة وسفراء الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن ورؤساء بعثات الدول الراعية للحوار السياسي للشأن الليبي إنها رصدت «انحرافاً خطيراً عن المسار الصحيح في جملة من التجاوزات.. بدءاً من الطريقة المشبوهة لاختيار بعض الشخصيات المشاركة في الحوار، إلى الطريقة التي يتم بها عرض المقترحات والتصويت، وانتهاءً إلى التدخل الشخصي لبعض أعضاء البعثة في توجيه المسار السياسي نحو أهداف معينة لا تخدم مصلحة ليبيا، وإنما تخدم دائرة حزبية ضيقة لن تستطيع الوصول بليبيا إلى بر الأمان».

كما أكدت القوة رفضها «مخرجات وطريقة التصويت التي تضغط رئيسة البعثة (بالإنابة) لتحقيقها في المدة المتبقية لمهامها في ليبيا، في مشهد يسلب إرادة الأغلبية من الشعب الليبي، وفي عجلة من الوقت تعكس استهتار رئيسة البعثة بمصالح الشعب الليبي، الذي يعاني ويلات المرض والحروب والفاقة المالية».

ودعت إلى «ضرورة العودة إلى الحوار (الليبي – الليبي) ورعايته والمضي قدماً في التحاور السلمي خلال أسرع وقت ممكن من خلال مؤسساتنا الوطنية»، معلنة دفاعها «عن القيم والمبادئ والسيادة الليبية»، مطالبة بـ«تدخل الأمين العام للأمم المتحدة لتصحيح مسار البعثة بما يخدم مصلحة الوطن والمواطن».

الاستفتاء المرتقب على الدستور
وفي مدينة الغردقة المصرية، أعلن أعضاء اللجنة الدستورية، المشاركون في اجتماع المسار الدستوري المنعقد، اتفاقهم «بإجماع الآراء» على إجراء الاستفتاء على مشروع الدستور المقدم من الهيئة التأسيسية.

وقالوا إن هذه الموافقة جاءت بناء على القانون الصادر من مجلس النواب رقم (6) لسنة 2018 المعدل بالقانون رقم (1) لسنة 2019 مع تعديل المادة السادسة باعتماد نظام الدوائر الثلاث (50 % + 1) فقط، وإلغاء المادة السابعة منه.

وتضم اللجنة الدستورية 28 عضواً من أعضاء مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وقد اجتمعوا في الغردقة يوم الثلاثاء الماضي، واتفقوا على إجراء الاستفتاء، مؤكدين ضرورة «تحصين المراكز القانونية الجديدة التي ستنتج عن الاستفتاء، وذلك من خلال إيقاف نظر الطعون المتعلقة بقانون الاستفتاء المتوافق عليه، وقانونية إصدار مشروع الدستور، والتعديل العاشر للإعلان الدستوري الصادر بتاريخ 26 نوفمبر 2018»

كما اتفقوا على استكمال مناقشاتهم في الفترة من 9 إلى 11 فبراير المقبل، ودعوة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات للحضور والمشاركة في المناقشات وصولاً إلى تحديد موعد الاستفتاء والإجراءات المرتبطة به.

ومن المقرر رفع هذا الاتفاق إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، ورفع تقرير بنتائج أعمال اللجنة إلى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لاتخاذ اللازم بشأن تفعيل هذا الاتفاق وتوفير الدعم الضروري لإجراء الاستفتاء في الموعد الذي ستحدده اللجنة بعد الاستماع إلى رئيس وأعضاء المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

كان الناطق باسم مجلس النواب، عبدالله بليحق، قال إن الجلسة الافتتاحية لاجتماعات المسار الدستوري في الغردقة بدأت بكلمة لرئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء عباس كامل، عبر اتصال مرئي أعرب خلالها عن دعم مصر «اللامحدود للأشقاء في ليبيا لإنهاء الأزمة الليبية».

وبعد ذلك، ألقت ستيفاني وليامز، كلمة عبر الاتصال المرئي أكدت فيها جهود البعثة الأممية وأهمية المسار الدستوري. كما ألقى رئيس اللجنة الوطنية المصرية المعنية بليبيا، اللواء أيمن بديع كلمة أكد فيها توفير مصر كافة الإمكانات من أجل إنهاء الأزمة الليبية، ثم ألقى رئيس وفد مجلس النواب الدكتور إسماعيل الشريف كلمة عبر فيها عن شكر وتقدير المجلس «للشقيقة مصر قيادة وحكومةً وشعباً على دعمهم للشعب الليبي»، ثم اختتمت الكلمات بكلمة لرئيس وفد المجلس الأعلى للدولة، وفق بليحق.

حوار رقمي بمشاركة ألف ليبي
وغير بعيد عن هذه الاجتماعات السياسية، شاركت وليامز في مناقشة من خلال تقنية الذكاء الصناعي في حوار رقمي مع ألف ليبية وليبي، معظمهم من جميع أقاليم ليبيا، وبعضهم من خارج البلاد. وقالت البعثة الأممية إن اللقاء الرقمي جاء عقب اجتماع اللجنة الاستشارية المنبثقة من ملتقى الحوار السياسي الليبي، الذي استمر أربعة أيام في جنيف.

ورحبت وليامز بارتفاع نسبة المشاركة والتفاعل من جانب المشاركات والمشاركين، إذ أجابوا عن أسئلة حول الوضع السياسي والأمني والاقتصادي في البلاد، حسب بيان صادر عن البعثة الأممية.

وقالت البعثة إن أكثر من 70% من المشاركين أجمعوا على أن نتائج اجتماع اللجنة الاستشارية كانت «إيجابية»، وأعربوا عن أملهم في أن تفضي هذه النتائج إلى حل دائم، كما أعربوا عن تخوفهم من العرقلة من جانب «طرف الوضع الراهن».

وأيد 76% من المشاركين إجراء الانتخابات الوطنية في 24 ديسمبر المقبل، ودعا غالبيتهم إلى إنهاء الفترة الانتقالية التي استمرت لسنوات. وقال 69% ممن شاركوا في هذا الحوار الرقمي إنه «من الضروري تشكيل سلطة تنفيذية موقتة موحدة في الفترة التي تسبق الانتخابات».

وأعرب جميع المشاركين عن دعمهم لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 23 أكتوبرالماضي، ودعا غالبيتهم إلى إخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب، كما طالبوا بدور أقوى للأمم المتحدة لإنهاء التدخل الأجنبي في البلاد، وبمواصلة الحوار الذي تيسره الأمم المتحدة، فيما عبر الكثيرون عن خشيتهم من «اندلاع الحرب مجدداً ما لم يتم ذلك»، حسب البعثة.

وأكدت البعثة أن ارتفاع أسعار السلع الأساسية كان «الشغل الشاغل للمشاركين، فقد اعتبر 46% منهم أن الوضع الاقتصادي آخذ في التدهور مقارنة بالعام المنصرم». وأشاد المشاركون بتوحيد سعر الصرف، غير أنهم طالبوا ببذل مزيد الجهود لتحسين الوضع الاقتصادي، فيما عبرت وليامز عن تقديرها «العميق للردود الصريحة والتوصيات التي تلقتها خلال هذا الحوار الرقمي، وتعهدت بأخذها بعين الاعتبار والاستنارة بها في جميع مسارات الحوار التي تيسرها الأمم المتحدة».

 

تعليقات