735497f046b142e190ae01929400f344

عندما أنهى الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة الى ليبيا طارق متري صفحات كتابه بالقول إن «الدول التي أسقطت النظام السابق لم تفعل إلا القليل من أجل بناء الدولة الجديدة، وتبين أنها مثل أجهزة الأمم المتحدة لم تعرف الكثير عن ليبيا» (ص320) كان قد أمدّ القارئ بخريطة شبه وافية عن تلك المسالك الوعرة، وقواها، وطبيعة السلوكات والتعقيدات الذاتية والمجتمعية الليبية، وأيضاً، في الكشف مباشرة أو مداورة عمّا وراء تلك الصراعات من أفكار إسلامية أو علمانية أو قبلية وعنصرية (علاقات العرب بالطوارق والتبو)، وعلاقاتها الخارجية والدول الداعمة لهذا الطرف او ذاك. لكنه كشف في آن عن خبرة عميقة في فن الحوار، وإبداء الاقتراحات في مفهوم حل النزاعات، مبنياً على إرث ثقافي يختزنه، وتجربة من التواصل الفكري مع «الآخر المختلف»، متمسكاً بفضيلة الصبر وقيمة التسامح والتواضع في التوقعات. («مسالك وعرة سنتان في ليبيا ومن أجلها»، كتاب طارق متري الصادر عن دار رياض الريس للنشر بيروت 2015).

سنتــان في المسالك الليبية الوعرة تصلح أن نسقـــطها على غيرها من المجتمعات العـــربية المتفـــجرة، والمتخمة بالهروب مــــن لغـــة الحوار إلى تغلــــيب لغـــة التـــحدي والتسلُّط واقتسام الغنائم فـــور جهــــوزها، والتعنّـــت ما أمكَن ذلك، إلى أن تحين لحظة انهـــيار القــوىفتتساقط الحلول من فوق.

ثمة ما يشي في الكتاب عن سلوكات ما بعد الثورات، وقد رصدها متري بعين المتابع وحدس المفكر، ومرّر بين صفحات كتابه، تبعاً لمهمته، الكثير من «فتاواه» في معنى الديموقراطية، التي «تشكل صناديق الاقتراع مدماكها الأول، لكن مداميكها الأخرى هي الاعتراف بالتنوّع وصون الحريات العامة وتعزيز استقلال القضاء وضمان الفصل بين السلطات ومحاذرة طغيان الغالبية واستحواذها» (297)، وإصراره على أن «الحوار لا يكون بصورة صفقة أو تنازلات بل أضعه تحت علامة الاتفاق على مبادئ ترعى الحياة السياسية، وفي مقدمها رفض اللجوء الى القوة، والحرص على عدم إقصاء أحد من العملية السياسية» (ص296)، مستذكراً مساوئ تجربة اجتثاث البعث في العراق بعد الاحتلال الأميركي له إثر إصرار القوى الليبية على إصدار قانون العزل السياسي بحق جماعة نظام القذافي والذي شمل من ناصَرَه أو من عمل في إدارات حكمه من العام 1969 الى حين سقوطه.

كالسائر في حقول ألغام، هكذا يستنتج قارئ كتاب مهمة متري «الأممية» في ليبيا، إذ إن العوائق وصواعقها لم تقتصر على الجانب الليبي الداخلي، حيث شملت تلك الأفخاخ التي أشار إليها لامبالاة الدول الكبرى أيضاً، وتغذية الصراعات المسلحة من دول عربية، (اتهامات القوى السياسية الليبية لواشنطن وبريطانيا وقطر وتركيا بدعم الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية، يقابله اتهام القوى المضادة بتلقي دعم مصر والسعودية والإمارات العربية)، وإخفاقات الأمم المتحدة بما فيها توفير الحماية الأمنية لبعثتها في ليبيا، إضافة الى «أنها كبش محرقة الدول الكبرى» (ص32).

ولم ينسَ وزير الإعلام اللبناني السابق أن يوجه سهام نقده إلى تخبُّط وتسرُّع بعض وسائل الإعلام في متابعاتها لمجريات الساحة الليبية، وما ناله من شتائم على صفحات التواصل الاجتماعي أحياناً (ص39). كما لم يفـــته توجيه انتقاد عمل ما يسمى مجـــموعات المجتــمع المدني «وتكرار البعض كالببغاء مــــثل لازمة الانتخابات الحرة والنزيهة (ص42) والتي «كثير منها تموله الدول الغربية والاتحاد الأوروبي» (ص42 و ص 119)، غامزاً من «السياسة المــزدوجة المعهودة لبعض الدول الغربيةفيقول: لم تجـــد دولتــــان كبيـــرتان أو ثلاث حرجاً من التعامل مع الأمم المتحدة بنهج التوازي أو التنافس، وجنوح عدد من ممثلي إحدى الدول الغربية الى التدخُّل في شؤون البعثة من طريق حفنة من العاملين» (ص50).

يغطي الفصل الأول وعنوانه «المهمة الأممية والتباساتها» خريطة القوى السياسية والمسلحة وميولها في ليبيا بعد ثورة 17 فبراير، فيعطي الصورة التالية: انتشار 250 ألف مسلح، قيام مؤتمر وطني عام في تموز (يوليو) 2012، انتخابات شارك فيها أكثرية المواطنين وأدت الى تعميق الشرخ لافتقادها لثقافة الديموقراطية، لا وجود للجيش والشرطة، ضمّ كتائب من الثوار تحت مسمى «درع ليبيا»، تغليب الحسابات المحلية على الولاء الوطني، ترَدُّد الحكومات المتعاقبة في كيفية دمج المسلحين في الجيش والشرطة، تردُّدِها في الحوار مع الثوار، ضغط من الثوار على الحكومات مع عدم تقديمها تصوُّراً للحلول، قانـــون الــــعزل السياسي وحرمانه الكفاءات الموجودة، صعوبة بناء مؤسسات الدولــــة، انقسام حــــول التدخل الدولي بخاصة بعد دخــول حلف الأطلسي عسكرياً، انقسام حول طبيعة دور بعثة الأمم المتحدة، الخ.

هذا في الجانب الداخلي، أما الخيبات الكثيرة فلم تقتصر على عبثية المشهد المذكور، وإنما تعدّته الى «شكوك ساورتني وكنت في الشهر السادس من مهمتي في ليبيا حول وصول النخب السياسية الليبية الى صياغة رؤية وطنية واحدة لبناء الدولة» (ص129)…(يمكن الاستفادة في هذا المجال من كتاب «ليبيا: الثورة وتحديات بناء الدولة» للدكتور يوسف الصواني (ليبي) والصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية)، وكشفت عن عيوب ثقافية اجتماعية تمثّلت باتهام الأمازيغ خطاب متري «القومي العربي» (ص157)، ورفض قوى ليبية له «بأنه أجنبي» (ص160)، وفجاجة أحد السفراء الغربيين بوصفه الشعب الليبي «بالتخلف» (ص223)، و»تشاوف» زميله على تفسيرات متري للواقع الليبي واتهامه له باحتكار التفسير على «الطريقة الشرقية» (ص 222).

أما في الجانب الخارجي، فالخيبات لم تكن أقل، ومنهـــا على سبيل المثال مسألة الكعكة الصفراء والصواريخ فيذكر «أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية مارست عملها في ليبيا بتكتُّم شديد ولم تطلعنا إلا على القليل مما قامت به، وكذلك فعلت منظمة حظــر الأسلحة الكيماوية التي وقّعت اتفاقات مع الدولة الليبية لإزالة تلك المخالفات، وفي مقدمها الـــولايات المتحدة، فاحتفظت لنفسها بما تعرفه عنـــا» (ص188)، ناهيك عن التدخُّلات المستترة كل علــــى طريقته، وأبرزها ارسال تسعة مبعوثين لدول ومنظمات إقليمية «دخلوا الى الملعب السياسي الليبــــي مرتدين قبعة الوسطاء وعلى رأسهم الولايات المتحدة وبريطانياولكن ورداً على سؤالي حول مغــزى تعيينات كهذه، قال لي احدهم وهو ديبلوماسي شغل مناصب رفيعة في بلاده (لم يذكر أسمه): إن إرسال مبعوث خـــاص يدُل على انتهاج الدول ســـياســـة جـديدة أو يلقي الظلال على غياب سياسة كهذه، وهو ما يصح في هذه الحالة» (ص289).

غياب التنسيق بين سفراء غربييـــن في ليبيا وبعثة الأمم المتحدة وصل الى حد انزعاج بعض هؤلاء من قرارنا بسحب معظم العاملين في البعثة من دون التشـــاور معهم، وهو ما لسنا مـــلزمين به لنكتشف بعد أيام أن هــــؤلاء كانوا على أهبة إجلاء طواقم سفارتهم ولم يعلمونا بها(ص306).

أنهى طارق متري مهمته في المسالك الوعرة وفي حقول الألغام مصيباً بتنبيهه المتوقّع لتنامي نفــــوذ «القاعدة» في ليبيا، وتصاعد هجرة اللاجئين غير الشرعية وأثرها في الغرب، محتفظاً «بمسائل حيوية لم أتحدث عنها كالفساد ومشكلات الصحة والتعليم والبطالة والمخدرات وغيرها…» (ص23)، ما يدفعنا إلى التساؤل والسؤال عن تغييبه الكثير من الوقائع والمعلومات والكواليس والصراعات، مكتفياً بسردية مجريات العملية السياسية في مرحلة ما بعد سقوط نظام القذافي.

تعليقات