438

خلف الحرب العسكرية التي تخوضها دول التحالف ضد تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشامالمعروف بـداعشتدور رحى حرب أخرى ناعمة، إلا أنها لا تقل خطورة ومصيرية عن الأولى، يقودها جيش من العاملين على شبكات التواصل الإجتماعي، وتتمثل في الآلة الدعائية شديدة المضاء لـداعش“. 

ولفت أنظار المراقبين والمحللين أن داعشنجحت في الترويج لفكرها ونشر خطابها المُخاتل على نحو لم تستطعه التنظيمات الارهابية التي سبقتها، واستهدفت آلتها الإعلامية شريحة الشباب على وجه الخصوص، بُغية غسل أدمغتهم والتمهيد لتجنيدهم في صفوفها، عن طريق خلاياها المنتشرة في البلاد العربية والغربية

ومن هنا فإن تلك الآلة الدعائية تقوم بوظيفة مركزية ضمن أدوات الحرب التي يقودها تنظيم داعش، ما يستوجب تفكيك خطابه الدعائي وفهم آليات عمل جيشه الإلكتروني

 إعلام متطور فنيا

ويقول الخبير الفرنسي في شؤون داعشفرنسوا برنار هيغ François-Bernard Huyghe إن إعلام التنظيم متطور جدا، إذ يعتمد على التقنيات السينمائية والإخراج الجميل والألوان الزاهية التي تُستخدم عادة في المحطات التليفزيونية الغربية بما فيها المسلسلات والمنوعات.

 وعلى خلاف التنظيمات العنيفة الأخرى التي أهملت القوة الناعمةوركزت فقط على القوة الغاشمة، مُستخدمة التفجيرات والاغتيالات وكل أنواع المُفخخات، فعل داعشكل ذلك غير أنه استقطب أيضا كفاءات شابة من ذوي الخبرة في المعلوماتية، لينسج شبكة فعالة تبث الرعب بين أعدائه من جهة وتُلمع صورته لدى الشباب من جهة ثانية

 ونحاول في هذا المقال تفكيك عناصر البُنية الاعلامية للتنظيم والتقاط نقاط القوة والضعف فيها، من أجل رسم بعض المعالم لمُواجهتها إعلاميا وكشف مُغالطاتها وأضاليلها، فقد استطاع التنظيم بفضل العناية الكبيرة التي أولاها لترويج صورته في وسائل التواصل الاجتماعي، كما في وسائط الاعلام التقليدية على السواء، أن يُغرق المجالين الرقمي والتقليدي بغزارة المواد الدعائية التي يُنتجها.

_35772_da3 (1)

وطبقا لنتائج دراسة قام بها مركز كويليامالبريطاني فقد أنتجت الطواقم الإعلامية التابعة للتنظيم في شهر واحد 900 مادة إعلامية بين مرئية ومسموعة ومكتوبة، وهو رقم لا تحققُهُ عادة سوى الشبكات والمجموعات الاعلامية الكبرى

 وتشتغل الآلة الاعلامية لـداعشعلى ثلاث واجهات رئيسة هي وكالة أعماق، التي تعتبر العصب الأساسي لآلته الإعلامية الإلكترونية، وإذاعة البيانومجلة دابقوهي ورقية وإلكترونية في الآن نفسه، بالإضافة لعشرات المواقع والوسائط الإعلامية المختلفة التي لا تنطق رسميا باسم التنظيم.

 وكالة أعماق

أسسها التنظيم بعد سيطرته السريعة على الموصل شمال العراق ثم على الرقة في سوريا، وجعل منها منصته الإعلامية التي تؤدي عدة أغراض في وقت واحد، وجاءت الوكالة بعد تجارب سابقة منها مؤسسة الفرقان للإعلامالتي كانت ذراعه الإعلامية الأولى، ومؤسسة الاعتصامالتي استحدثها في أعقاب سيطرته على الرقة، ومركز الحياة للاعلام، وهو الذراع المُوجهة للإعلام الخارجي، والتي تبث مواد إخبارية وتسجيلات مرئية باللغات الأجنبية

 ولعل قراءة بعض عناوين الأخبار التي أوردتها الوكالة في يوم واحد (25 يناير/كانون الثاني الماضي على سبيل المثال) تُعطي فكرة دقيقة عن محتوى الخطاب الإعلامي للتنظيم، فمن خبر مفاده سقوط ثلاثين قتيلا من القوات العراقية في عملية تسلل شرقي الفلوجةإلى طلاب مدارس المدن الخاضعة لسيطرة الدولة الإسلامية في العراق يجرون امتحاناتهم النصفيةإلى خبر عنوانه مفخخات الدولة الإسلامية تضرب معاقل النظام في دمشق من جديد، وصولا إلى إقامة دورة شرعية لـ 1200 موظف من مركز الخدمات بمدينة سرت الليبية، أو صلحٌ بين عشيرتين في ريف الرقة الغربي أقامه مكتب العلاقات العامة“…من هذه العناوين نُدرك أن المحور الأول لهذا الخطاب الإعلامي هو الترويج لانتصارات التنظيم العسكرية وإبراز هزائم عدوه.

349 (1)

والمحور الثاني هو إظهار سيطرته على المناطق التي استولى عليها حيث الحياة طبيعية والطلاب يُجرون الامتحانات في العراق، والموظفون يشاركون في دورة شرعية في سرت، التي يُطلق عليها البعض تسمية رقة ليبيا، أما المحور الثالث فهو إظهار قبول السكان بسُلطة التنظيم بمن فيهم العشائر المُتخاصمة، التي تحتكم إليه لفض النزاعات بينها

وبثت الوكالة يوم 29 الماضي خبرا مفادُه أنها أطلقت القناة الجديدة على تيليغرام: a3maq _agency4

 مجلة دابق

صدرت في البدء كمجلة فصلية في النصف الثاني من 2014 عن مركز الحياة للإعلامالتابع للتنظيم قبل أن تتحول إلى مجلة شهرية. ومنذ 24 آيار/مايو من العام الماضي يعرض التنظيم النسخة الإلكترونية من هذه المجلة باللغة الإنجليزية على موقع أمازونالشهير، ما اعتُبر تعزيزا لقنوات التأثير في الشباب المسلم وكذلك الشباب غير المسلم في البلدان الغربية، أملا بتجنيد مقاتلين منهم. وتُركز المجلة، التي صدر منها 12 عددا، على معالجة قضايا من التراث الإسلامي إلى جانب قضايا معاصرة بما فيها المسائل الاقتصادية والسياسية، مع استخدام ورق فاخر وصفحات مُلونة وتقنيات طباعة عالية الجودة

 ويمكن الحصول على نسخة الكترونية منها بصيغة بي دي إف أو تلقي نسخة ورقية بالبريد في مقابل دفع ثمن العدد، الذي يُراوح بين ثمانية وتسعة وعشرين دولارا.

 إذاعة البيان

بعد استيلائه على الموصل أنشأ التنظيم في مبنى إذاعة الزهورالعراقية إذاعة سماها إذاعة البيان، وجعل لها أبراجا في الرقة عاصمة الخلافة، وهي تبث برامجها على الموجة القصيرة لسكان المناطق التي يسيطر عليها التنظيم، بالإضافة إلى بث خطب أبي بكر البغدادي، ووصل بث هذه الاذاعة إلى شمال أفريقيا، إذ صرح وزير الدولة للداخلية في الحكومة التونسية في سبتمبر/أيلول الماضي أن السلطات ستتخذ إجراءات فنية للتشويش على إذاعة البيان الداعشية التي تُروج للفكر الإرهابي، والتي يصل بثها لمناطق في جنوب تونس، وتردد آنذاك أن الإذاعة باتت تعتمد على محطة لإعادة البث في مدينة زوارة الليبية القريبة من الحدود التونسية.

screen-shot-2014-09-18-at-11.00.30-am-1024x573

الأدوات الإعلامية المختلفة تُسخر جميعا لبث فكر يرمي للتشكيك في كل ما هو سائد ثقافة ودينا ونظاما اجتماعيا، بل وتقويضه من أجل تحويل الجمهور المستهدف، وخاصة الشباب، إلى فكر التعصب والمُغالبة والعنف

 ويقول ألبرتو فرنانديز المُشرف على المركز الاستراتيجي لمكافحة الإعلام الإرهابيفي واشنطن بهذا الصدد بالنسبة لشاب مسلم ليس متأكدا من هويته أو شاب تحوّل لاعتناق الإسلام دون التعمق في فهْم العقيدة أو الإلمام بالخلفية التاريخية للعالم الإسلامي، يتم خداع (أولئك) الشباب السذج وضمّهم لتنظيم داعش، من خلال دعاية قوية تستغلّ أوجه القصور في أنظمة الحُكم الحالية، وتزعم أن التنظيم أكثر إسلاما وأصولية من أية جهة أخرى وأكثر نقاء وحزْما، وبذلك تصبح ممارسة العنف أمرا يدعو إلى الإعجاب بدلا من أن يكون مدعاة للنفور، خاصة عندما يتم تبريره بأنه للدفاع عن الإسلام، في إطار السّعي لبناء دولة خلافة تقيم مجتمعا إسلاميا مثاليا، يُتيح لهؤلاء الشباب تحقيق حُلمهم في العيش كمسلمين حقيقيين“.

 الأخطر من ذلك أن إعلام التنظيم يصنع صورة نموذجية للفتى المسلم تنزع منه العواطف الإنسانية وتجعله وحشا كاسرا متعطشا للدماء، فعلى سبيل المثال بث التنظيم يوم 4 شباط/فبراير الحالي شريطا مُصورا يُظهر فتى لا يتجاوز الخامسة عشر وهو يقتاد رجلا مُكبل اليدين يرتدي لباسا برتقاليا، اتضح أنه محمد عبد العزيز طبشو، وهو النائب الشرعي العام في الجبهة الشامية وإمام مسجد تل فراح في ريف حلب الشمالي، ثم يُجثيه على ركبتيه ويذبحُه حتى انفصل رأسُه عن جسده.

1449772600052925500 

واضطر طبشو، الذي جرى أسرُه لدى خروجه من المسجد، أن يعترف في الشريط المصور قبل ذبحه أن محاكم الجبهة الشامية لا تحكم بشرع الله، وأن القوي فيها يأكل الضعيف، والرسالة التي يبعث بها التنظيم من خلال هذا الشريط هي إعطاء صورة للفتى المثالي تقوم على تمجيد الذبح واعتباره تنفيذا لشرع الله في الكفار“.

 كيف يمكن محاربة هذه الآلة الإعلامية النزقة والضخمة من أجل حماية الأجيال الشابة من السموم التي تبثها عبر أذرعها الأخطبوطية؟  يحتاج الأمر إلى حملة تشمل أولا نصائح لحماية الشباب والمراهقين من الانزلاق إلى مستنقع الإرهاب تحت شعارات براقة عن الجهاد وتأييد الخلافة المزعومة، وثانيا كشف أنماط التجنيد التعسفي وسوء المعاملة التي يلقاها المُجندون تحت راية داعش، والتي تصل في أحيان كثيرة إلى حد القتل بدعوى الردة أو الجوسسة أو الانتماء للطاغوت” (النظام) في سوريا والعراق وليبيا

 وثالثا لا بد من دعم الحملات المضادة لإعلام داعشأسوة بالمبادرة التي أطلقها مركز صوابفي الإمارات، وهي عبارة عن حملة على منصات التواصل الاجتماعي في تويتروإنستغرامتحت وسم «#أتباع_الضلال»، والتي ترمي لفضح الأساليب التضليلية التي يعتمدها التنظيم للتغرير بالشباب من كافة أنحاء العالم وتجنيدهم كمقاتلين في صفوفه

 ولكي ينجح هذا العمل لابد من إطلاق عملية تنويرية وتثقيفية واسعة لمجتمعاتنا لتوعيتها بخطورة الالتحاق بالتنظيمات الإرهابية والمساهمة في الجهد الدولي لتجفيف ينابيعها، وفضح أساليبها المُخاتلة وإبراز الطابع الإنساني لديننا الاسلامي، بما هو رسالة تسامح وحوار وسلام للإنسانية قاطبة.

 كاتب وإعلامي تونسي

تعليقات